مع كل منافسة كروية تستقطب متابعة جماهيرية قياسية، نعود إلى الجدل المتكرر بخصوص هذه الظاهرة التي حظيت باهتمام عالمي استثنائي، يكاد يقارب الإجماع الذي عجز العالم عن تحقيقه في غيرها، مما جعل البعض يتحدث عن إله جديد يعبد ومنهم من يعتبرها آلة رأسمالية جبارة تمكنت من إخضاع الجماهير والتلاعب بعقولهم، فيما يستنكر المتابعون لها كل هذه الأوصاف القدحية بحقها، ولا يرون ما يبرر التنغيص عليهم في متابعة لعبة يمضون معها وقتا جميلا، يخفف عنهم ضغوط الحياة اليومية.

الواضح أننا أمام مبالغة في التفاعل مع كرة القدم، وتقدير أدوارها بين من يعجب بها فيسمح لنفسه بالانغماس التام فيها، مبددا كل وقته وجهده مفرغا ذهنه من أي هم سواها، وبين من لا تروقه تلك اللعبة ولا يجد أي انجذاب تجاهها، فيحشد كل المبررات لتدعيم وجهة نظره المعادية لها بحجة هدر الوقت والتخدير الذي يلهي عن مواجهة القضايا الجوهرية، لكن المفارقة عند الكثيرين منهم أنهم وفي الوقت الذي يمررون فيه هذا الخطاب، ينخرطون في أشكال أخرى من أشكال الترفيه يمكن أن تعد كذلك من التفاهة ومن الالتفات.

وما يزيد الأمور التباسا؛ سعي السياسيين الدائم لتوظيف الكرة خدمة لأجنداتهم وكذا الموقع الذي أراد رجال المال والأعمال أن تحتله، والذي جعلها تشغل حيزا أكبر بكثير مما ينبغي لها أن تشغله، الشيء الذي ساهم في تنمية حالة الرفض لها وجعلها تتخذ صبغة نضالية احتجاجية.

الحقيقة أن كرة القدم لعبة محايدة وليست سحرا أو شيئا خارقا للعادة، فلا داعي لتحميلها أكثر مما تحتمل، نعم هي ذات طبيعة تنافسية قد تجعل لاعبيها ومن ورائهم الجماهير المتابعة لهم أكثر حماسا وإثارة، مما قد يسقطهم في الانفعال وفي العصبية غير أن هذه ليست نتيجة حتمية، فلئن أخرجت كرة القدم أسوء ما فينا، هي عند غيرنا تعتبر حلا لمشاكل عديدة، فبالإضافة إلى كونها تشكل استراحة ترفيهية لازمة لمجتمعات تطبعها الجدية والتفاني في العمل كالمجتمعات الأوروبية، هي كذلك نجحت، مثلما ذهب بعضهم، في نقل عصبياتهم من ميدان التطاحن الحربي إلى ميادين اللعب الرياضي، ثم عملت بعد ذلك على ضبط تلك العصبيات وتوجيهها وصولا إلى بلوغها أدنى مستوياتها.

طالع أيضا  عودة حَنْظَلَةُ وإحياء شعار "ثَّوْرَة حتى النصر"

مشكلتنا إذا ليست في كرة القدم بقدر ما هي متعلقة بأمراض مجتمعاتنا وأعطابها المضمرة والتي تصرف احتقانها في الملاعب الرياضية بسبب الجو القمعي الخانق الذي يكتم أنفاسها، ذلك أن جل الظواهر السلبية الملتصقة بالكرة من عنف وشعارات عنصرية واستغراق مرضي في مشاهدتها… هي ظواهر دخيلة عنها.

فالعنف مثلا، هو سلوك تمرره السلطة إلى عامة المجتمع الذي تحكمه، ليتحول إلى اللغة السائدة الوحيدة في كل مجالات حياته، لذلك فإن ممارسته في الملاعب نتيجة متوقعة لا سيما حينما يصدر من شباب عاطل يائس تسلط عليه كل عوامل التحلل والانحراف، كما أن شغب جماهير الكرة في الدوريات المحلية والتراشق بالشعارات المناطقية العنصرية بينها ليس إلا تعبيرا عن فشل ذريع للدولة في صيانة الهوية الوطنية الجامعة، مما أدى إلى انكفاء الشباب وتقوقعهم حول هوياتهم الفرعية، التي لا تجد مكانا ملائما تعبر فيه عن نفسها إلا في الملاعب الرياضية.

أما بالنسبة لحالة الجنون الكروي فهي غير مرتبطة بالضرورة بمتابعة كرة القدم، وبما أن شعوبنا خاملة فإنها توفر أرضية ملائمة لتقبل هذه الظاهرة، التي تعد من أخطر أشكال التخدير ليس فقط لأنها ضحية للآلة التسويقية العالمية الضخمة، أو لأنها تتأثر بتوجيه السلطة لها وتريد أن تشغلها بها، بل الأخطر من كل ذلك هو الاستعداد القبلي من طرف تلك الشعوب للانخراط في تلك المخططات طواعية، بما يمكنه اعتباره قابلية للتخدير أو تخديرا ذاتيا الذي يجعل منها تهرب من واقعها الذي تعرفه جيدا وتعرف المتسبب في بؤسه، لكنها غير مستعدة لدفع فاتورة مواجهته.

فربط تأخر الثورة على فساد السلطة واستبدادها بكثرة الانتصارات الكروية ليس لديه ما يبرره، ذلك أن ثورة 25 يناير المصرية قامت مباشرة بعد إحراز مصر لثلاث كؤوس إفريقية، وهو أفضل إنجاز في تاريخ الكرة المصرية وسعى نظام مبارك لاستغلاله أبشع استغلال، عبر تلميع صورة نجل الرئيس وسعيه إلى تنزيل مخطط التوريث، ومع ذلك لم تنجح كل تلك المحاولات السلطوية لتجيير انتصارات الكرة وتوجيه الناس خدمة لمآربها، لأن عوامل قيام الثورة كانت أكبر من أي عملية التفاف.

طالع أيضا  الشباب والرياضة.. بين إكراهات الممارسة ومحفزاتها

فيما تعرضت الكرة المغربية في نفس الفترة لسلسلة من النكسات الرياضية، ومع ذلك لم تضف شيئا لوعي الجماهير، التي بدل أن يرتفع منسوب وعيها تحولت إلى البحث عن المتعة في مجالات أخرى، بل إن ولاءها تحول إلى منتخبات وفرق أخرى خارج الحدود.

ذلك أن الناس لو لم ينشغلوا بكرة القدم لانشغلوا بغيرها من الأنشطة الترفيهية والفنية، بل حتى المجالات التي يفترض أن تطبعها الجدية والعمق، تتعرض للابتذال والتهريج مثل المواضيع السياسية والفكرية والإسلامية، وبدل أن تكون عامل نهوض ورفع للوعي، تستغل في تكريس حالة التردي والانحطاط، أي أن التفاهة والسطحية سلوك لم تأت بهما الكرة، وما الإدمان الكروي إلا واحد من تجليات هروب أمتنا من واقعها المر.

ومع ذلك فقد تصاعدت اليوم نبرات الاحتجاج لدى الجمهور الرياضي، الذي يرمى بأنه مغيب عن همومه وهموم أمته وأصبح يأتي بكل آلامه وآماله الاجتماعية والسياسية لمدرجات الملاعب، حتى أضحت لهجته أقوى من لهجة العديد من الأحزاب والنقابات، وهو ما يعطي صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية على جمهور الكرة.

الواجب أن يتم التعاطي مع كرة القدم بشكل مختلف، فبدلا من أن نلصق كل مصائبنا في هذه اللعبة، منتشين بموقفنا الثوري العظيم المتحرر من السخافات، وجب تحليل تلك الظواهر التي تختزنها الكرة والعمل على معالجتها، فنحن لحد الساعة مصرون على الاشتغال بتداعيات المرض ونسيان المرض ومسبباته الحقيقية، ولو أننا قضينا على أعطابنا لأخذت كرة القدم الحجم الطبيعي الذي يجب أن تشغله.