بقلم: فؤاد هراجة حقوقي وباحث في الفلسفة السياسية

عرض السيد أحمد شوقي بنيوب، المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، يوم الخميس 4 يوليوز 2019، بمنتدى وكالة المغرب العربي للأنباء، التقرير الذي أنجزته المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان حول ما أسمته: “أحداث الحسيمة وحماية حقوق الإنسان”. فاعتبرت المندوبية أن هذه الوثيقة تعد أول تقرير رسمي يصدر عن مؤسسة حقوقية تابعة للدولة. وهي إشارة في نظري مقصودة، غايتها طمر ومحو تقرير المجلس الوطني لحقوق الإنسان الصادر في يوليوز 2017، والمتعلق بالخبرة الطبية الشرعية حول تعذيب معتقلي حراك الريف. وهو تقرير صدر باللغة الفرنسية ويشمل 35 صفحة، بسط الدلائل المادية ووثق شهادات تؤكد التعذيب في حق المعتقلين. وفي هذا الصدد يخبر تقرير الطب الشرعي أنه استهدف قسمين من المعتقلين: -القسم الأول يهم المعتقلين الموجودين في سجن “عكاشة” بالدار البيضاء، ويضم 19 معتقلاً. -القسم الثاني يهم المعتقلين القابعين في السجن المحلي بالحسيمة، والبالغ عددهم 15 معتقلاً.
وأوضح التقرير في مضامينه الأولى، أنه اعتمد في الخبرة الشرعية على طبيبين شرعيين، قصد التقصي في مزاعم تعرض 34 معتقلا للتعذيب على أيدي رجال الشرطة، وذلك يومي السبت والأحد 17 و18 يونيو 2017″.
وقد خلصت نتائج الطبيبين الشرعيين عبد الله دامي والبروفيسور هشام بنيعيش إلى ثبوت حالات التعذيب بأدلة مادية ونفسية، وهي نتيجة تسربت بين دم وفرث لتصبح شوكة في حلق الدولة، وصفحة سوداء في سجل انتهاكاتها لحقوق الإنسان. فكان لزاما، وفي خضم تعالي الأصوات المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الريف، والمقتنعة بمظلوميتهم، من خروج صوت يدافع عن الدولة، من داخل المنظومة الحقوقية، فجاء تقرير المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان. وهنا نتساءل: ما جدوى تقديم هذا التقرير الذي جدد نفس مواقف الدولة اتجاه حراك الريف، بل أعاد الأمور إلى المربع الأول حيث شيطنة الحراك، في الوقت الذي تتم فيه مساعي متعددة للبحث عن مخرج لطي أزمة حراك الريف، وعلى رأسها مخرج سياسي لإطلاق سراح المعتقلين.
للإجابة عن هذا السؤال يتوجب علينا القيام بقراءة متأنية نقدية وتفكيكية تحليلية لنص تقرير المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان.
تضمن التقرير المذكور 65 صفحة توزعت على ستة أقسام و13 محورا، توحي كل عناوينها ومنذ الوهلة الأولى ببراءة الدولة وإدانة الجماهير المتظاهرة والمحتجة، ومن الأمثلة على ذلك استعمال التقرير عبارات من قبيل :
✓ دخول التجمهر دائرة التوتر والمساس بالنظام العام.
✓ محاكمة الدار البيضاء وضمان المحاكمة العادلة.
✓ توافر شروط المحاكمة العادلة.
✓ التدخل الحكومي.
✓ اللقاءات التواصلية
وقس على ذلك في كل العناوين. أما المضامين فقد شملت مصطلحات وردية في حق الدولة أيضا وهي على سبيل العد لا الحصر:
✓ رباطة الجأش وعدم استعمال القوة.
✓ عدم إطلاق ولا رصاصة واحدة.
✓ احتضان الحراك من طرف الحكومة والفاعلية السياسيين والمجتمع المدني.
في المقابل نجد عبارات سوداوية في حق المحتجين والمتظاهرين من قبيل:
✓ وأمام رفض الأشخاص التجاوب مع زيارات وزراء الحكومة…
✓ فشل الحوار لصعوبة إيجاد ناشط ومخاطب رسمي قادر على الاستمرار والالتزام بالنتائج… .
فالتقرير إذن جاء مشبعا بيقينيات قبلية تستبعد كلية فرضية تقود إلى خطأ أجهزة الدولة الأمنية، كما تستبعد أيضا أدنى شك في كل الروايات الرسمية. فبدون أي جهد، يمكن للقارئ البسيط أن يلمس انحيازا واضحا في هذا التقرير للدولة وأجهزتها الأمنية، وكأن هذا التقرير مجرد صدى لصوت السلطة.
وفي هذا السياق ظل هذا التقرير يسير ذهابا وإيابا بين العلل السببية والعلل الغائية؛ ففي نظر التقرير،كل ما قامت به الدولة من استعمال مفرط للعنف كان سببه عنف المحتجين “الملثمين”، وأن تدخلها وعسكرتها للمنطقة غايته استتباب الأمن، حيث ورد في التقرير ما نصه: “وأمام رفض الأشخاص التجاوب مع 11 وزيرا خلال 17 زيارة، هل يعقل أن يستمر الوضع في الحسيمة خارج كل الضوابط القانونية لما يزيد عن سبعة أشهر. وهل من المعقول أن تصبح الحسيمة خارج كل رقابة أمنية تقوم بها الدولة؟ (ثم يستطرد المقرر مدغدغا عواطف القارئ) “على كل منا أن يجيب على هذا السؤال في داخله، وبينه وبين نفسه، وبدون أن يعلن جوابه لغيره”. يا له من استفهام ميتافيزيقي انطولوجي؟
يتبين من خلال هذا التقرير أن الغاية منه تبييض وجه الدولة، وتبرئة ذمتها، وتطهير يد أجهزة الأمن من أي انتهاك أو شطط يذكر.
كما تميز هذا التقرير أيضا بانتقائية مقصودة؛ انتقائية شملت المحطات والأحداث التي تم التركيز عليها حيث تعمد القفز على الأسباب التي بسببها اندلع الحراك متمثلة في عدم التزام الحكومة بتنفيذ البرنامج التنموي للحسيمة منارة المتوسط، وتقديم المسؤولين عن هذا التقصير للمحاسبة، في حين ركز على لحظة وقوع العنف في ساحة المظاهرات، وفي هذا السياق يقول نص التقرير: “يكتسي التوقف عند موضوع دخول التجمهر دائرة التوتر أهمية خاصة لتقدير الحالة التي انتقلت فيها ممارسة الحقوق والحريات المكفولة دستوريا إلى دائرة التوتر التي تمس النظام العام”.
إذن فإننا أمام نقطة شكلت بالنسبة التقرير كل دوائر الارتداد، وأصبحت هي نقطة الارتكاز، لأنها وبكل بساطة تمثل السبب والمسوغ في آن واحد لاستعمال العنف المفرط من جهة، وصك على بياض لتبرئة أجهزة الأمن من أي شطط أو انتهاك من جهة أخرى، وكأننا كنا طيلة “اندلاع التوتر” أمام تدخلات أمنية ملائكية!
أعتقد أن المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، وتبعا لوظيفتها المحددة في التدخل الحمائي للحريات العامة وحقوق الإنسان، كان الأولى بها أن تبحث في صيانة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حُرِمَها أهل الريف، ثم كان عليها التركيز في وظيفتها على الخروقات والانتهاكات الحقوقية التي قد تحصل جراء تدخل الأجهزة الأمنية والسلطات العمومية. لماذا، لأن الجانب الحقوقي لن تقوم به سوى المؤسسات الحقوقية، أما التجاوزات القانونية فثمة مؤسسات مختصة وظيفتها رصد ومتابعة كل من يخالف قواعد القانون ومحاسبته. للأسف فإن التقرير يؤكد أن المندوبية الوزارية لم تقم بالوظيفة المنوطة بها رسميا، وراحت تكيل الاتهامات للمتظاهرين وكأنها تنتحل صفة أجهزة الأمن والقضاء.
وبالعودة إلى مضامين التقرير نجد أنه قد اعتمد منهجية تقوم على قاعدة ثلاثية موجِّهة تشمل المعطيات النوعية، والاستنتاجات، ثم التوصيات. لكن التقرير ركز على المعطيات ليقينه المسبق أن الاستنتاجات والتوصيات ستأتي كنتيجة حتمية لهذه المعطيات. لهذا فإن القارئ للتقرير سيلاحظ اعتماد نوعين من المصادر للمعطيات: -أحدهما رئيسي ويتمثل في الروايات والتقارير الرسمية والأشرطة المقدمة من طرف الأجهزة الأمنية.
-ثانيهما ثانوي كان الغرض منه تأثيث التقرير وصبغته بسمة التشاركية والموضوعية وذلك من خلال إقحام تقارير جمعيات وائتلافات حقوقية ومنظمات المجتمع المدني، والتي لا ترى لتقاريرها أثرا لا في الاستنتاجات ولا في التوصيات.
ومثال ذلك أن جل هذه الهيئات أوصت بالإطلاق العاجل لمعتقلي الحراك، ودعت إلى ضرورة إصدار ظهير لرفع العسكرة على منطقة الريف. وهما نقطتان لم نجد لهما أثرا في توصيات التقرير.
والأدهى من هذا كله أن “لجنة الحسيمة للدفاع والمطالبة بإطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين السياسيين” وجهت رسالة مفتوحة إلى السيد المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان، تطلب فيها سحب كل العبارات التي تقحم اللجنة في مضامين التقرير حول “أحداث الحسيمة” حيث عبرت سكرتارية اللجنة عن استيائها الشديد إزاء الإقحام التعسفي للجنة في هذا التقرير واعتمادها كأحد المصادر التي ساهمت في إنشاء التقرير. كما أكدت اللجنة في رسالتها الموقعة من طرف منسقها السيد علي بلمزيان ما يلي: ” إن لقاءنا الذي أُجرِيَ مع المندوب الوزاري لم يتمحور بتاتا حول التقرير الذي تقدم به السيد المندوب، ولم يكن للجنة علم بهذا التقرير إلا أثناء الحوار حيث أعلم السيد المندوب أعضاء الوفد أن ثمة تقرير شبه نهائي لا يحتاج سوى لبعض اللمسات الأخيرة”. وهذا المعطى وحده يفند أن يكون السيد المندوب قد اعتمد مرافعات وتقارير اللجنة.
كما نسجل أيضا التوظيف غير الأمين لتقارير الهيئات المدنية والتي جاءت في ذيل المصادر قصدا وليس اعتباطا، ومثال ذلك، قول المقرر في الصفحة 45، في سياق عرض تقرير الائتلاف المغربي لحقوق الإنسان: “أعدت لجنة تقصي الحقائق والأوضاع بالحسيمة المشتغلة في إطار الإتلاف المغربي لحقوق الإنسان (…) بعد تقديم منهجية الاشتغال (…) مع رصد بعض انتهاكات حقوق الإنسان”.
في حين أن تقرير الائتلاف تضمن عبارة مخالفة ومعاكسة تماما لما ورد حيث عبر تقرير الائتلاف بما يلي: “سجلت اللجنة في مستوى ثان من تقريرها، وقوع العديد من انتهاكات حقوق الإنسان بناء على ما رصدته لجنة تقصي الحقائق (…)”. فبين لفظ “بعض” ولفظ “العديد” تختفي الأمانة وتختفي الحقائق، وتنبجس عيون الشك من كل جانب.
إذن وأمام المعطيات المغلوطة التي وظفتها المندوبية الوزارية باعتبارها مؤسسة رسمية، والتي لا يمكن قبولها لاقانونا ولا أخلاقا ، وأمام الانتقائية المقصودة شكلا ومضمونا في صياغة التقرير، وأمام الذهنية الغائية التي تحكمت في التقرير من بدايته إلى نهايته، متمثلة في السعي الحثيث نحو تحميل مؤطري الحراك كامل المسؤولية، وتبرئة الدولة ولبسها لبوس العصمة والتنزه عن الهفوات والأخطاء بله الانتهاكات الحقوقية، أمام كل ذلك لا يسع المحلل سوى التشكيك في مصداقية وموضوعية هذا التقرير، الذي تعمد القفز من جهة على الأسباب الحقيقية الكامنة وراء اندلاع الحراك، ومحاسبة مسؤولي الدولة الذين كانوا وراء تعطيل المشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحميلهم كل تبعات الحراك في إطار ما يسمى “بالمسؤولية المتعدية”. ثم تعمد القفز من جهة أخرى على الأشرطة والأدلة المادية التي تناقلتها وسائل الإعلام بكل أشكاله والتي توثق الاستعمال المفرط للعنف من طرف الأجهزة الأمنية. ناهيك عن التعذيب الذي أقرته اللجنة الطبية الشرعية والتي باشرت أعمالها تحت إذن النيابة العامةالتي أمرت قاضي التحقيق بالنظر في نتائجها.
إن هذا الميل الجلي والانحياز الواضح في التقرير لأجهزة الدولة الأمنية تسويغا وتبريرا لأفعالها، وتبييضا وتبرئة لذمتها، بل الثناء على تدخلاتها التي لا ننسى أنها خلفت قتيلا في ساحة الاحتجاج ويتعلق الأمر بالمواطن عماد العتابي الذي توفي متأثرا بجراحه عقب مظاهرة 20 يوليوز. هذا الحدث الكبير الذي لم تجد له حروف المندوبية مساحة في تقريرها، لأنه لا محالة سيفتح سؤال التحقيق في الجهة المسؤولة عن مقتله، والتي لن تكون سوى الدولة في شخص أجهزتها الأمنية.
لذا وأمام كل هذه الطعون الموضوعية، أدعو إلى ضرورة اصطفاف كل الهيئات الحقوقية في جبهة موحدة لصياغة تقرير حقوقي موازي يكشف اختلالات تقرير المندوبية من جهة، ويوثق للخروقات والانتهاكات التي شهدها حراك الريف من جهة أخرى. إن الصمت إزاء هذا التقرير هو إقرار ضمني به، ستكون له عواقب وخيمة على الحقوق، إذ سيكون هذه الوثيقة بمثابة الضوء الأخضر للدولة، يسمح لها الاستمرار في مسلسل انتهاكات حقوق الإنسان، كما سيكون بمثابة طي صفحة المطالبة بإطلاق سراح معتقلي الريف، ورفع العسكرة عليه.
إن الهيآت الحقوقية والمدنية تجد نفسها اليوم أمام لحظة تاريخية لا تقبل المنزلة بين المنزلتين، بل تقتضي التصدي الواعي والمسؤول الكفيل بإلزام السلطات الأمنية وتذكيرها بالتزامات الدولة الحقوقية وطنيا ودوليا.
أما المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان إما أن تقوم بدورها الحمائي للحريات وحقوق الإنسان، أو تغير اسمها وتصبح ملحقة بوزارة الداخلية.