بقلم: عبد اللطيف العادلي

كانت الدعوة النبوية في مكة مضطهدة مغلوبة، تعيش على هامش الحياة العامة، فقيض الله لها أنصارا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوه على النصرة، وجاء الأمر بالهجرة إلى يثرب لتتشكل النواة الأولى للدولة الإسلامية.

نشأت دولة القرآن في رحم الدعوة النبوية، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وزعيما لدولة ناشئة، ونسج على نفس المنوال صاحباه أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه تفرق الرعيل الأول من الأصحاب في الأمصار ودخلت في الإسلام فئام من الناس ينثرون القرآن نثر الدقل كما كان يقول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، هاجوا وثاروا وتسببوا في مقتل سيدنا عثمان رضي النورين، وهكذا كسر باب بيت جماعة المسلمين، واستيقظت من جديد العصبية الجاهلية مع مسلمي الطلقاء وأعرابية أغلاظ ويهود خبثاء، فوقع ما وقع من أحداث جمل وصفين وخروج الخوارج، وقتل الصحابي الجليل علي كرم الله وجهه.

وما لبث الحكم أن استحال ملكا عاضا وراثيا مع بني أمية، وانتقضت أول عروة من عرا الإسلام، وانحدر المسلمون من خلافة راشدة مرشدة كانت فيها الدعوة سيدة والدولة خادمة حامية إلى ملك عاض وجبري أمست فيه الدولة سيدة والدعوة محاصرة وفي أحسن الأحوال خادمة.

على ضوء هدا التمهيد نتساءل، ما سرّ نجاح الجماعة الإسلامية الأولى المكونة من المهاجرين والأنصار في تحقيق تلك الصيغة المثلى بين الدعوة والدولة؟ كيف انحدر المسلمون من علياء الجماعة الجامعة والخلافة الراشدة إلى مستنقع الملك العضوض الذي أهان الدعوة والدعاة إلا بعضهم كسيدنا عمر بن عبد العزيز؟ لماذا لم تتمكن بعض الدعوات التجديدية الصادقة من الحفاظ على صفائها وقوتها بعد إمساكها بزمام السلطة؟ كيف السبيل لترتيب العلاقة من جديد بين الدعوة والدولة كما كانت في سالف عهدها؟

طالع أيضا  الدعوة والدولة 6/6: 'أكره أن أدنسهم بالدنيا'

1_ الدعوة والدولة في عهد النبوة

استجاب مستضعفو مكة لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوف من ملإ قريش، يجتمعون خفية في دار الأرقم يتشربون معاني الإيمان والصحبة والجهاد، من هذه المدرسة تخرج الجيل الأول من الدعاة. “مدرسة الشدائد” كما يسميها الأستاذ عبد السلام ياسين.

تشكلت النواة الأولى للدعوة الإسلامية في مكة على هامش السياسة الجاهلية في عزلة تامة عن المجتمع الجاهلي، دعوة عزلاء مضطهدة مغلوبة إلى أن فتح الله ونصر يوم أن بايع قوم من يثرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوه على النصرة، وجاء الأمر بالهجرة إلى موطن الإسلام الجديد، وهكذا أخرج الفوج الأول من الدعاة من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا.

التحم المهاجرون والأنصار في ولاية إيمانية جهادية صادقة شكلت بالتحامها النواة الأولى للدولة الإسلامية الناشئة، لا تعارض هنا بين الدولة والدعوة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان إماما وقائدا وقاضيا لجماعة المسلمين التي تربطها روابط المحبة والنصيحة والشورى والطاعة.

تعزز وضع الدعوة بعز السلطان، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين “كانت دعوة عزلاء فجاء السلطان سلحها، كانت مكشوفة فدرعت بالسلطان، كانت جهودا فردية فنظمها السلطان كانت تعيش على هامش السياسة الجاهلية والاقتصاد الجاهلي، والمجتمع الجاهلي، فأعطاها السلطان وجودا ماديا. أعطاها جسما هي كانت له الروح. أعطاها حرفا هي كانت له المعنى” 1.

شاء الله عز وجل أن تنشأ دولة الإسلام الأولى في مجتمع متعدد الهويات، فكان أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، أن كتب وثيقة اعتبرت بمثابة دستور ينظم حياة المجتمع الجديد بكل مكوناته.

وهذا يفند ما يدعيه بعض أدعياء الحداثة أن دين الإسلام دين قوامه بين الإنسان وربه فقط، دعوة دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبائل العرب ولا وجود لشيء اسمه دولة، ويفند أيضا ما ادعاه حتى بعض المسلمين كالشيخ علي عبد الرزاق الذي ادعى أن الإسلام دعوة لا شأن لها بالدولة 2.

طالع أيضا  نظرات في الدعوة والدولة (2)

أخذت الدولة وضعها الطبيعي في عهد الرسول الأكرم؛ وسيلة لا غاية خادمة للدعوة وحامية، آلة طيعة مطواعة بيد الدعاة الذين انطلقوا في كل اتجاه داعين إلى الله على بصيرة مبشرين ومنذرين، ومن ورائهم دولة تخطط وتسلح وتدبر وتمول ببساطة المجتمع القبلي وبداية أشكاله الإدارية.


[1] عبد السلام ياسين، جماعة المسلمين ورابطتها، دار لبنان للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 2011،33-34.
[2] عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، مطبوعات الصفاء للإنتاج، الطبعة الأولى، 2000. ص: 67.