بقلم: رشيد الوهابي

شاء القدر الإلهي أن توافي المنية رجل الصدق والوفاء، والبذل والعطاء الأستاذ والأديب الحسن السلاسي رحمه الله، صبيحة يوم الأربعاء 29 شوال 1440هـ الموافق ل 3 يوليوز 2019م، إثر حادثة سير قرب مدينة الرشيدية المغربية. جعله الله تعالى مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

ولا يسع العارف للرجل، المعاشر له إلا أن يخط كلمات لا توفي بالغرض بقدر ما تكون ذكرا للرجال، والتماسا لتنزل الرحمات، ودعوة للنفس والغير للاعتبار.

شرف التعليم: رسالية ومهنية

بعد سنوات التحصيل العلمي، والتفوق الدراسي، توفق الحسن السلاسي –رحمه الله- للالتحاق بمهنة التعليم، مهنة الأنبياء والمرسلين ذات الشرف الأسنى، والقدر الأعلى، وطريق الجنة، ومستغفر الملائكة. لم يكن رجلَ حوالة، بل كان رجلَ رسالة، متفانيا في أداء مهمته التدريسية، محسنا التعامل مع زملائه في العمل في المؤسسات التعليمية التي درس فيها، ومجيدا التواصل مع تلامذته؛ يحبب لهم طلب العلم، ويغرس فيهم شيم النبل، ويربيهم على قيم العمل والجد والمسؤولية، ليحققوا طموحاتهم الدراسية والمهنية.

حري برجل جمع بين الرسالية والمهنية في ممارسته التعليمية أن ينال ثقة تلامذته، ويشيع في النظام التعليمي عبير المحبة، وجو العمل، فـ“منذ تعلَمُ النفوس الفتية ما قيمتها في الوجود، وما مصيرها، وما حاضر الأمة التي تنتمي إليها، وما فرصة المشاركة في إنهاضها، ومنذ تثق بالموجه المعلم، وبالمربية الأستاذة، يتكون في النظام التعليمي جو آخر ملائم للتعلم غيرُ الجوِّ السائدِ في مدارس الثقافة التابعة والبطالة غير الصانعة” 1.

داعية لا دعي

لم يكن الحسن السلاسي -رحمه الله- أستاذا مبرزا نائلا لشرف التعليم، بل كان تواقا لشرف ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (سورة فصلت: 32)، فاقتنع بمنهاج العدل والإحسان، وأحب الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله وصحِبه، وجالس المؤمنين في مجالس الإيمان والعلم، ولم يتوان في جعل بيته قبلة للمؤمنين والمؤمنات، والواردين والواردات، فلم يكن دعِيا بل داعية يفتح البيتَ إيواء للدعوة، والقلبَ نشرا للبِشر والمحبة، والجيبَ بسطا لليد بالعطاء، بتوجيه المربي الداعية ياسين وشهادته: “بيوت المؤمنين هي معاقل الدعوة ورباطاتها. فينبغي للمؤمنين والمؤمنات أن يفتحوا بيوتهم للواردين. وعلى الدعاة أن يضربوا المثال في ذلك. فداعية لا يفتح باب داره، وباب قلبه، وبشاشة وجهه، للمؤمنين والواردين دعي” 2.

نعم السند للزوج المجاهدة

كان الداعية الحسن السلاسي -رحمه الله تعالى- وزوجُه خديجة شوقي في احتضان الدعوة سواء، في أي مدينة حلا بها، أذكر لما جاورته بمدينة تنجداد لسنوات كيف احتضن ونظم، وألف وحبب، وعلم وأدب، وخط وكتب، ومرن ودرب على المسرحية الهادفة، والتمثيلية القاصدة، والكلمة الرائقة طاقات واعدة شوابا وشبابا، أتحفت الجمهور المتعطش للفن الهادف الباني في ملتقيات الإبداع الربيعي. وكان في إسناد زوجه المثال المحتذى في التشجيع والتحفيز، والتأهيل والتدريب، والتعزيز والتقدير، فقد جعلت من بيتها مدرسة للدعوة تأوي المسلمات، تُعلمهن المعلوم من دينهن بالضرورة، بقلب محب، ورقة حانية، ولغة رقيقة تقع مواقعها في أرض القلوب المتعطشة تغطي رقتُها عجمة اللسان عند بعضهن التي كانت حافزا لها على تعلم لغتهن –قدر الإمكان- لتحقيق تواصل يخاطب القلب والعقل معا، ويملؤهما إيمانا وعلما على الهدى القرآني والهدي النبوي. كانت زوجُ الفقيد بحق على “ثغرة من ثغور المسلمين لا يسدها إلا المؤمنات. يُعَلِّمْنَ الأساسيات، يُصَحِّحنَ البديهيات، يُطَهِّرْنَ الجذور، يُقَلِّمْنَ الفروع الخبيثة، بصبر وتؤدة ومتابعة” 3.

وتحصيلا لكمال الخيرية، واقتداء بخير البرية ﷺ، حرص الحسن السلاسي رحمه الله على خدمة أهله؛ مساعدة لها في البيت، ومرافقة لها في مسيرة الحفظ للقرآن، فكان لها نعم السند في تحصيل الإجازة بالسند المتصل في الحفظ، متمثلا الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” 4.، والحديث المروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” 5.

ذاكر مُحِب حَيِي

كان الحياء سيما الفقيد الحسن السلاسي؛ يعرفه بها كل من عاشره وصاحبه أو رآه، تراه -مرارا- غاضا للبصر في الطريق، مستغرقا في الذكر لا يفتر لسانه عنه، يواظب على ورده القرآني، وورده من الكلمة الطيبة والصلاة على الرسول ﷺ، ولا يفارق مجالس الذكر مع المؤمنين، ويحب مجالستهم، ويميط الأذى عنهم، ذلك أن “لِلْحُبِّ في الله مُقتضيات وواجبات أدناها إماطة الأذى عن طريق من تحبهم في الله، وأعلاها مواجهة الـمُبْغَضين في الله في صف الأحباب في الله حتى الاستشهاد” 6. ثلاثية من شعب الإيمان حلت الحسن السلاسي: ذكر، وإماطة للأذى عن الطريق، وحياء، مَثلَ بها الرسول ﷺ في الحديث الشريف، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اَلإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» 7، فمن جمع أفضل شعبة من شعب الإيمان، وأدناها بمعناها الشامل، وأسنى أخلاقها الحياء، فخليق به أن يتمثل ما سواها تحصيلا للمجموع الإيماني، فـ“تكون شُعب الإيمان مضمون الإسلام ومحتوى الإيمان. ويكون ترتيبها معراجا إحسانيا يرتفع عليه المؤمن وجماعة المؤمنين من نقطة البداية في الحياة، في حضن الوالدين، إلى مقام الشهادة في سبيل الله في ساحة الجهاد” 8.

لقد عبرت زوج الفقيد الحسن السلاسي في حفل تأبينه -المقام بمدينة مكناس المغربية- عن حبه للشهادة في سبيل الله، فرُزقها بعد خروجه من بيته سعيا في قضاء حوائج الأبناء طلبا للعلم -وهو جهاد وأي جهاد في هذا الزمان-، وختمه لختمته القرآنية في الطريق، ورُزق الشهادة الكبرى نذرا للحياة لله، ومحبة للمؤمنين، وصبرا للنفس معهم دعوة وجهادا، فتلك مزية يُتوج بها الرجال الذين عاهدوا الله، ونذروا حياتهم له كما يعبر الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، فيقول: “ويقود إلى الشهادة وإلى الصديقية رجالا نذروا حياتهم لله ولم يلتفتوا إلى غير الله حتى لقوا مصرعهم وهم في ساحة القتال أو في ساحة تدبير الجهاد وإصلاح شأن الأمة” 9، ويتساءل في موضع آخر منهضا الهمم لطلب مرتبة الصديقية: “هل بوسعك أن تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ الشهادة في سبيل الله إن فاتتك الشهادة في صف القتال؟” 10.

لم يألُ فقيد الدعوة الحسن السلاسي جهدا في حضور المواقف المناصرة لقضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين، والقضايا المدافعة عن حق الشعب المغربي في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، وتلك شهادة عبر بها أحد الحاضرين لحفل تأبينه، يروي إكبار البعض لنضاله في حركة عشرين فبراير. كان السلاسي من الرجال الذين جمع الله لهم بين حمل هم الله طلبا للإحسان، وحمل هم الأمة طلبا للعدل على نهج الرباني المجاهد ياسين، والجماعة السالكة سلوكا إحسانيا على منهاج النبوة، لكون “مصير المؤمن المقبل على الله حقا لا ينفك عن مصير أمته. همّ ما بعد موته لا ينفك عن همّ انتصار دين الله واستمراره”. 11.

فقيد الكَلِم القاصدِ

“هم انتصار دين الله واستمراره” هم مقيم ظلل حياة فقيد الأدب الحسن السلاسي الذي كان نظاما ونثارا؛ فعُرف شاعرا لبيبا، وأديبا أريبا، وكاتبا محبوبا، ومحاضرا مهيبا، خطت أنامله عشرات القصائد والمقالات، متنوعة القضايا والأغراض، يحضر فيها بقوة حب الله ورسوله ﷺ والحب في الله والنصر لدينه والنصرة للمستضعفين، لكنها تدور في فلك واحد، وتنتظم في سلك ناظم، وتتسق في نسق جامع وهو المنهاج النبوي اكتشافا وتوصيفا، واستثمارا وتوظيفا، ودعاية وتعريفا. يُجمِع من قرأ له، وتابع نثره ونظمه، تفانيه في الدفاع عن نظرية المنهاج النبوي في التربية والدعوة والتغيير، بقلب ذاكر، وروح وفية، وعقل متقد، ونظرة ناقدة لواقع موبوء مرذول، هادمة لأسس الفتنة، بانية لقواعد الإيمان، مستشرفة لغد أفضل ومستقبل مشرق ألق.

استشعر الأديب الراحل الحسن السلاسي ضرورة سريان “الروح الإيمانية” في الأدب بأجناسه المختلفة، وطرائقه التبليغية المتنوعة، ليحمل رسالة الإيمان والهداية، والمحبة والخير والسلام، والتذكير بالله والآخرة لكل مؤمن ومؤمنة، بل لكل إنسان على وجه الكوكب الأرضي ليرتقي من الكرامة الآدمية إلى الكرامة الإيمانية، فكان -رحمه الله- وفيا للأمانة، مخلصا في حملها وتحميلها لأجيال، وتوريثها لآجال، يرشف اللاحق من السابق، ويحذو حذوه، ويقتفي أثره، لبلوغ كمال الوفاء، وتمام الإحسان والإتقان، في “أدب الرجل والمرأة والمراهق والشاب والطفل” كما بين الإمام ياسين في نص أخاذ ينم عن علو كعبه في فهمه لقيمة الأدب، وسمو فكره في الجمع بين جمالية الشكل والمضمون وجمالية الروح الكاتبة أو الممثلة، يقول رحمه الله: “أما إذا تقمصت الروح الإيمانية لباس الأدب وسلكت طرائقه من شعر، وحكمة، وضرب مثل، ودعاية بريئة، وقول جميل، وكلمة سائرة، وتمثيلية ذكية، فإن الموعظة المتلطفة تستطيع أن تبلغ للناس قضية المضطهدين في الأرض، وأن تحبب إلى الناس الحياة الإسلامية، وأن تقبح وتنتقد لهم الجاهلية وفحشاءها ومنكرها، وأن توقظ في نفوس المسلمين روح الجهاد والقوة، وأن تجدد فيهم عزم حمل الرسالة وبناء المجتمع الأخوي النموذجي البَرِّ بالإنسان، الرحيم بالخلق، الغيور على الحق.

أدب الرجل والمرأة والمراهق والشاب والطفل. وكلمة الله هي العليا. والله عزيز حكيم” 12.                                        

إن تجربة الأستاذ الحسن السلاسي الشعرية، وتجربته في الكتابة النثرية، وفي التأليف المسرحي، تستحق أن تولى العناية اللازمة مدارسة ومطارحة، وتقويما ونقدا، وتأليفا يجمع أشعاره في ديوان، ليُعرف أكثر في الأوساط الأدبية، ولتستفيد منه الأجيال الحاضرة والمستقبلية، خصوصا وأنه لم يكن ممن يحب الأضواء، ويرنو إلى الشهرة وذيوع الصيت بذكر الألسنة وخط الأقلام.

في موته عَبرة وعِبرة

ذرفت لموت الداعية والأستاذ والأديب الحسن السلاسي عيون رجال ونساء، وشباب وشواب، ويافعين ويافعات، وبراعم وزهرات، من الأقارب والأباعد، فانسكبت عَبْرات قلوب لينة متفكرة، وعقول منورة مفكرة في الموت وما بعده من مصير بين يدي المحيي والمميت، الخالق للموت والحياة ابتلاء لأينا أحسن عملا.

موته رحمه الله محطةُ اعتبار وافتكار، وتذلل وافتقار لمن بيده الأمر من قبل ومن بعد، يأخذ منها الكيس الفطن، والكيسة الفطنة العِبرة والذكرى؛ سُمعت في حفل تأبينه شهادات في حقه من الزوج رفيقة الدرب، ومن أكابر العلم والتقوى، ومن رفاق الصحبة والعشرة؛ كان بشهاداتهم قواما، صواما، ذكارا، صامتا متفكرا، خدوما، حييا وقورا، زائرا، مَزُورا مضيافا، لطيف المعشر، لين الجانب، جميل المعاملة، حسن التربية للبنين، مبشور الوجه، رقيق الابتسامة، سليم الصدر، نقي السريرة، كريم السجية، سريع الدمعة، رشيق العبارة، داعية مذكرا،…، عاش رحمه الله للدعوة، “وهكذا تكون الدعوة رحمة جامعة بين المؤمن وخالقه، ثم تفيض فتعم من أمر الله ورسوله بمحبتهم وإكرامهم وحسن عشرتهم. وهكذا تتكون على نور محبة الله تعالى نواة المجتمع الإسلامي والأخوي وتتوسع” 13.

نداء الأجل

فقدت دعوة العدل والإحسان أحد رجالاتها وأدبائها، وفقدت الثقافة والأدب أحد شعرائها وكتابها، وفقدت الزوج المؤمنة سندها، والأبناء أباهم وعائلهم وصاحبهم، وفقد رفقاء الدعوة صاحبا محبا خدوما، وفقد زملاء العمل عشيرا مسؤولا محبوبا.

إنه نداء الأجل “لكل أجل كتاب” (سورة الرعد: 39)، قضى الله أمره وقدر، وما يملك كل مؤمن ومؤمنة إلا أن يسترجع استرجاعَ الصابر المحتسب الموقن بالله واليوم الآخر الراجي للرحمة والمغفرة والهداية أولا، “وبشر الصابرين الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولائك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولائك هم المهتدون” (سورة البقرة: 155-156)، واسترجاعَ المتذكر لسجايا الفقيد وبذله وجهاده بالكلمة والعمل ثانيا، سلوى وتثبيتا، وذكرى واعتبارا.


[1] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، دار البشير للثقافة والعلوم، طنطا، مصر، ط1،  2/256.
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ط2، 1410ه-1989م، ص 147.
[3] عبد السلام ياسين، العدل، الإسلاميون والحكم، ط2، 1420ه-2000م، ص 315.
[4] أخرجه الترمذي، كتاب المناقب، باب فضل أزواج النبي ﷺ، رقم: 3895. وابن ماجه، كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء، رقم: 1977. وهو حديث صحيح
[5] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب:  خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه، رقم: 5027.
[6] عبد السلام ياسين، الإحسان، مطبوعات الأفق، الدار البيضاء، ط1، 1998م، 1/191.
[7] أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب أمور الإيمان، رقم: 9. ومسلم، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم: 35، واللفظ له.
[8] عبد السلام ياسين، مقدمات في المنهاج، ط1، 1409ه-1989م، ص 76.
[9] عبد السلام ياسين، الإحسان، 1/505.
[10] المرجع نفسه، 1/226.
[11] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 47.
[12] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، 1/140.
[13] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، ص 147.