بقلم: حميد خالد

تقدم في السن وطعن، يذب على اثنتين ثالثهما عصا يتوكأ عليها، تقوس ظهره وانحنى إلى الأرض إيذانا بقرب عودته إليها.

مال إلى الأرض في أرذل عمره، لكن ميله طوال حياته كان لأشرف بقعة فيها، لتلك البيوت التي “أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه”.

انشغل الناس بالتجارة والبيع وغيرها مما حبب للنفس، وغفلوا عن النداء. وكان في عنوانه مع الرجال يسبحون لله بالغدو والآصال “لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة”.

ويرفعون أبصارهم إليه من متاجرهم ومن شرفات بيوتهم، فيحدثهم بحاله أنه يغدو إلى عنوانه، ما أخرجه من مسكنه إلا تلبية النداء، يلتفتون إليه في المسجد فيجدونه لا يبرح مكانه بالصف، فيرد عليهم بوجوده وحضوره أنا هنا في مسجدي ومسجدي (بكسر الجيم وفتحها)، إذ أن كسر جيم المسجد دال على مكان الصلاة، وفتحها يدل على موضع السجود. وكلاهما شاهد صدق يحدث عنك ويشهد في الدنيا “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان”.

ويحدث عنك ويشهد يوم القيامة، يوم تحدث الأرض أخبارها.

وحري بمن تكرم الله عليه بنعمة الإيجاد ومنّ عليه بنعمة الإمداد أن يكون له في حياته عنوان، يعلق قلبه به، يحبه فيحدث عنه بحاله ومقاله، فذلك عهده عند الله يدخره شفاعة وشهادة تحدث عنه يوم ينطق الله كل شيء.

من الاختراعات العجيبة في زماننا اليوم التي تعود لأحد المهندسين الأتراك. جهاز ينصب على القبر يشتغل بالطاقة الشمسية، مهمته تلاوة ختمات القرآن على القبر الذي نصب عليه، لا يفتر عن ترداد القرآن الكريم ليلا ونهارا.

وحين تتهيأ النفوس مستجيبة للفطرة تسابق ما فاتها من التقصير في جنب الله، أظن حينها أن العقل المعلوماتي لا يعجزه ابتكار تطبيقات تسجل وتكشف لصاحبها ما يغفل عنه، وما يعجز عن جرده حين يجالس نفسه يحاسبها عن تقصيرها.

طالع أيضا  الخشوع في الصلاة

أتخيل أن تحصي هذه التطبيقات على الهواتف الذكية خطواتك إلى المسجد وترصد حركتك بعد الآذان، وتسجل في تواصلها مع أجهزة بباب المسجد وقت دخولك إلى المسجد ووقت الخروج، وتسجل عدد المرات التي ترددت فيها على عنوانك.

ولك أيها القارئ الكريم أن تتخيل معي أيضا، لو كان بباب المسجد أجهزة متطورة ترصد حركة المصلين دخولا وخروجا إلى بيت الله، وتميزهم ببصماتهم أو قسمات وجوههم أو نظرة عيونهم.

لك أن تتصور حجم الحسرة بعد مرور الشهر والسنة والسنوات فتجد حصيلتك في هذا الجهاز دون المعدل المطلوب.

خمس صلوت في اليوم، هذا يعني أن درجة الامتياز اليومية خمسة على خمسة ودونها يتقهقر من يقومون إليها كسالى، فتفوتهم الفريضة والفريضتان..

في الشهر 150 دخولا و150 خروجا، في السنة 1800 دخول 1800 خروج.

فرضا لو كان عمر المسلم ستين سنة وخصمنا منها سنوات اللهو والطفولة وبدأنا الإحصاء مع بداية الرشد العقلي.  من السنة 15 ستكون الحصيلة كالآتي:

45 سنة مضروبة في 12 شهرا تساوي 540 شهرا، تعادل عدد شهور الخمس والأربعين سنة، وإذا ضربناها في عدد الأيام يكون حاصل الضرب 540 يوما، في الثلاثين يوما هو: 16200 يوما، وفي كل يوم خمس صلوات، فيكون مجموع الصلوات المفروضة: 81000 صلاة حصيلة ضرب 16200 في 5.

وتكون حصيلة الولوج لعنوانك وترددك عليه ما يعادل 81000 مرة دخولا و81000 مرة خروجا.

وفرضا لوكان عدد الصلوات التي تخلفت عنها بمسجدك بعذر 20000 صلاة، فإن الباقي من الصلوات 61000.

ترى ما هو معدلك؟ وما هي عدد التغيبات والتخلفات التي لا عذر لها، وما شعور العبد عند نهاية السنة حين يكشف هذا الجهاز عن اسم فلان وفلان ذوي الرتب الأولى، وتتقهقر في الرتب الأخيرة بمعدل ضعيف.

طالع أيضا  براعم القرآن | الإمام عبد السلام ياسين

سيدي القارئ أخاطب نفسي وأخاطبك فالهم واحد.

ما عسى هذه الأجهزة أن تكشف أمام صانع من صنعها، وأمام مركب خلايا عقل من ابتكرها… “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير”.

وما الأرقام التي أثرناها إلا من باب تقريب ما تتخيله النفس بعيدا، لعل من اليقينيات التي لا تطمرها غفلة الغافلين، ولا يؤثر في بروز حقيقتها تجاهل المتجاهلين؛ أن الخالق سبحانه لا تخفى عنه خافية، وهو أقرب إليك من حبل الوريد، يحصي أنفاسك قبل أعمالك، يحصي الخطوات والزفرات والتسبيح والتحميد وعدد الركعات.

ومما ورد في الأثر أن لله تعالى ملائكة تقف على أبواب المساجد ترصد الداخلين أولا بأول وترفع سجلات الأعمال إلى الله، وتخبر عمن قرب الجمل والبقرة والبيضة، وتطوى الصحف فلا ناقة ولا جمل للكثير من العباد، ولا ينال من تخلف النقير ولا القطمير. 

يفاجأ العبد يوم القيامة بطائره في عنقه. بكتابه وسجل أعماله الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. حينها ترى الغافلين مشفقين مما فيه.

ويفرح المؤمن بخطواته إلى المسجد، وبكل دقيقة وثانية قضاها مستقبلا القبلة مرابطا في عنوانه منتظرا الصلاة.

تشهد حينها بقعة الأرض التي سجد فيها لله. وتشهد سواري المسجد على زواره. ويشهد الصف الأول لعماره، وتتوالى شهادات الخير، ويحدث العنوان عن صاحبه في الآخرة كما كان يحدث عنه في الدنيا. وينقذك يا صاح عنوانك في الآخرة كما ينقذ الضال عن الطريق عنوانه في الدنيا.

ويأخذ بيدك عنوانك الذي تعلقت به هنا في الدنيا ليقيمك في عنوانك ومقامك هناك في الآخرة مع السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله.

في الحديث عن عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة بالمدينة، فقام علينا فقال: “إني رأيت البارحة عجبا”، وكان مما أخبر به الرسول عليه السلام، الصلاة التي تنجي صاحبها، “ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب، فجاءته صلاته فاستنقذته”، “ورأيت رجلا من أمتي يزحف على الصراط، يحبو أحيانا ويتعلق أحيانا، فجاءته صلاته فأقامته على قدميه وأنقذته”.

طالع أيضا  الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (5)

الصلاة تنقذ ومكان إقامتها عنوان يشهد.

فاحرص يرحمك الله على صلاتك، والزم عنوانك في قوتك وحين ينحني ظهرك، فما في الدنيا شيء يستحق أن يشغلك عمن تحدث عنه ويحدث عنك.