مقدمة

ننطلق في هذا الموضوع من معطيين اثنين نعتبرهما أصلين للنظر في قضيتين اثنتين نعدهما متلازمتين، فأما المعطيان فهما أولا مُعطى الوحي المقدس المتمثل في التنزيل الحاكم المهيمن، أي القرآن الكريم وما يحمله من حُكم إلهي على صنفٍ مِن خلْق الله عقوا الأنبياء وخانوا الرسالة وضيعوا الأمانة. وثانيا معطى الواقع الكوني الذي تشهد الإنسانية أحداثه تبعا لما اكتسبه الناس ويكتسبونه من فعال وما يترتب عليها من جزاء في حياتهم الدنيا وفي الآخرة. وأما القضيتان فأولاهما مسؤولية العالم الغربي عن تأسيس ودعم الفكر والفعل الصهيونيين، وثانيهما تأثير هذا الفكر الصهيوني- ومعه النصرانية المتطرفة في تأثيل العقل الغربي ومسخ السياسة الغربية، والنتيجة كراهية دولية تعيق قيام تواصل وتعايش إنساني ينعم في ظله الإنسان كإنسان مكرم.
قبل ذلك نتساءل: ما معنى الصهيونية؟ وماهي أسسها الفكرية والعقدية؟

مفهوم الصهيونية

الصهيونية حركة يهودية عنصرية متطرفة تأسست سنة 1897 لتعبر عن رغبات وتلخص طموحات اليهود في العصر الحديث، وفي مقدمتها: رغبة العودة إلى ما يسمونه: “أرض إسرائيل” (Zionism)، وسميت بالصهيونية نسبة إلى جبل صهيون الذي يقع جنوب بيت المقدس. وتتلخص مهمة هذه الحركة في تنفيذ المخططات الاستعمارية المرسومة لإعادة مجد بني إسرائيل وبناء الهيكل (زعمًا أنه هيكل النبي سليمان عليه السلام)، ثم إقامة مملكة إسرائيل الكبرى التي تمتد إلى نهر النيل، والسيطرة من خلالها على العالم تحت ملك يهودا المنتظر!
فهي إذن حركة عقدية سياسية تُجسد قمة تمكن “داء الأمم” من قلوب غالبية بني إسرائيل، وداء الأمم هو”الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي”، وتشكل الصهيونية في أرض الواقع الجهاز التنفيذي “الشرعي” والرسمي لليهودية العالمية . وفي كتابه الفريد “سنة الله” يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين أن منبع الصهيونية وأصلها هو الشعور المكبوت بالانتماء والصمود التاريخي والحنين الدائم إلى العودة لأرض “الميعاد”. الصهيونية نُقلة نوعية من ذهنية اليهودي الخامل في بلاد الشتات، المتجمع حول الأحبار وأسفارهم، الحالم بنـزول المسيح “الماشيح” كما يقول العبرانيون إلى الأرض ليخلص “شعب الله المختار”. نقلة من تلك الذهنية إلى ذهنية اليهودي الفاعل المتحرك المنظم. الصهيونية تشخيص عملي لفكرة العودة وإحياء القومية اليهودية التي كانت تدور لآلاف السنين في أذهان بائسة حاقدة محتقِرة للعالم محقورة).
وفي الموسوعة الحرة: “الصهيونية حركة سياسية يهودية تدعو إلى تكوين أمّة يهوديةً وتنادي بحق هذه الأمة بتكوين كيان لها على أرض إسرائيل التاريخية”. حيث تركّزت جهودها منذ 1917 على أرض فلسطين الإسلامية العربية لإنشاء وطن قومي عنصري، وفي سنة 1948 تم تنازل الاستعمار البريطاني عن السيادة والسلطة بخطة مدروسة مسبقا للعصابات الصهيونية المنظمة التي اشتهرت بالعنف الأعمى: الاغتيالات والمذابح والتهجير والتعذيب ومختلف أنواع الوحشية والهمجية…. ويشبِّه بعض اليهود الحركة الصهيونية بإله الهنود العظيم “فشنو” الذي له مائة يد، (إشارة إلى تجدر عقلية النفوذ والسطو والابتزاز). ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: وأمددناهم بأموال وبنين. أمدهم الله –ابتلاء- بالقدرة على الدهاء وجمع الأموال واكتنازها واستثمارها، ومن يجهل اليوم أو ينكر أنها تبسط سلطانها على أغلب الأجهزة الحكومية في العالم وتملك تأييدها وتضمن تبعيتها، وتعمل دوما على توجيهها للعمل داخليا وخارجيا بما لا يتعارض مع المصلحة اليهودية، حتى أضحت الصهيونية هي قطب رحى الحراك السياسي والاقتصادي العالمي.

طالع أيضا  سنة 2018 هي الأسوأ على اقتصاد غزة

فما هي الأصول الفكرية للصهيونية باعتبارها – في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين – “غدة مَرَضية في جسم البشرية”؟ وما هي مسؤولية الدول الغربية على نشوء وتطور الحركة الصهيونية؟ وما هو تأثير المذهبية الصهيونية على الساحة السياسية والمالية والفكرية الغربية والعالمية؟ وكيف تمالأت النعرة الصهيونية على أرض فلسطين خاصة وعلى الأمة الإسلامية عموما؟

تتمة المقال على موقع ياسين.نت.