تقديم

كثر الحديث عن العلم وتحديد معناه ووظيفته وسماته ورسالته ومكانته، وتنوعت تعاريفه وتعددت خصائصه ووظائفه تبعا لكل مذهب وكل طائفة وكل إيديولوجية، كما تأثر بالأحداث التاريخية والسياسات المتبعة والأفكار المستوردة والغازية للأمة، فضاع المعنى الحقيقي للعلم وتبدد دوره، وتجزأ فهمه فغابت بذلك النظرة الكلية للعلم والعلماء، ما دفع الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله للبحث عن تأصيل العلم ومحاولة جمع ما تشتت منه بعد عصر النبوة.

إذن فما هو العلم؟ ومن هم العلماء؟ وما علاقة العلم بالعمل والتربية والجهاد؟

تعريف

العلم: إدراك الشيء بحقيقته. ويراد به: اليقين والمعرفة. يقال علمت الشيء: أي عرفته وخبرته. علِم: فقِه، وعلِم بالشيء: شعر به. العلَم: العلامة والأثر. العلَم: سيد القوم.

من صفات الله عز وجل: العليم إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ 1، والعلام عَلَّامُ الْغُيُوبِ 2، والعالم عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ 3.

من خلال هذه التعاريف يمكن القول إن العلم هو ضد الجهل، ويراد به الفهم والفقه والدلالة والإدراك والمعرفة واليقين والخبرة، ويأتي بمعنى الإشارة والعلامة والشعور والأثر.

ويمكن تصنيف العلم عند الإمام رحمه الله إلى ثلاثة أصناف:

أ ــ العلم بالله

وهو العلم الإحساني أو علم الخشية ومعرفة الله أو علم التقوى، قال تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 4 وقال سبحانه إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ 5 وهو أرقى العلوم وأشرفها وغايتها، وهو علم الحق الذي مكانه القلب وآلته العقل المنضبط للوحي، ومفتاحه الصحبة والذكر، يقول الإمام: (العلم بصيغة الإفراد هو العلم الكامل، وهو العلم بالله وبالإنسان ومصيره) 6، ويسميه الإمام رحمه الله وعلماء الأمة من أمثال الإمام الشافعي والإمام حسن البصري بـ”العلم النافع” يقول الإمام المرشد: (فإن أولى ما تجنح إلى تحصيله الهمم العالية، وأحق ما وجب صرف الجهود لدركه والأخذ بعنانه، ما كان موصلا للتقرب به إلى الباري سبحانه، وطلب الزلفى منه، وذلك العلم النافع الذي يهدي إلى تقوى الله تعالى، ويرسم معالم السلوك إليه سبحانه) 7 وأورد الإمام في كتاب الإحسان ما يلي (روى ابن أبي شيبة والدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن، عن الإمام حسن البصري قال: “العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم”. (…) وقال الإمام مالك: “إن الحكمة مَسْحَةُ مَلَك على قلب العبد”. وقال: “الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد”. وقال: “يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله، وأمرٌ يدخله الله القلوب من رحمته وفضله”.

طالع أيضا  جدلية العلم والعمل.. من أجل رؤية منهاجية (1)

هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة “تصوف”، كانوا على علم تام بنور القلب والحكمة و”مسحة الملك”، بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة وبحق. وكيف لا يكونون كذلك وإنما يقذف الله عز وجل نور الحكمة في قلب من أقرَّ في قلبه الإيمان، فرعى الشريعة حق رعايتها) 8.

ب ــ العلم بشرع الله

تنضوي تحته كل العلوم الشرعية من فقه وسيرة وحديث وتفسير وأصول ولغة عربية وغيرها، وهي الخادمة لشرع الله والمبسطة له للأمة، عن مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ 9، وعَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ 10. ويندرج في هذه العلوم ما يقيم به المسلم فرضه ونفله. يقول الإمام المرشد: (لقد ذكر علماؤنا أن من العلم ما هو فرض متعين على كل امرئ، وهو ما لا يسع الإنسان جهلُه، إذ يجب على كل مؤمن أن يأخذ من العلم ما به يقيم فرضه وسنته، وبعد يتوسع في فقه الشريعة ما أمكنه وهو الفرض الكفائي) 11.

ج ــ العلم بكون الله

تعد العلوم الكونية من الأسرار التي أودعها الله تعالى في كونه وجعل مفتاحها في العقل البشري كافرا كان أم مؤمنا، فهي تعد إرثا إنسانيا وحكمة بشرية المؤمن أولى بها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الكَلِمَةُ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا 12، ويعتبر الإمام رحمه الله تعالى العلوم الكونية بمثابة “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، فبدونه لن تقوم للأمة قائمة ولن يتحقق لها التمكين في الأرض لتبلغ رسالة ربها، وبدون التمكن من أدوات هذا العلم سيخرفنا الناس وتسقط قيمة الإسلام من أعينهم. يقول الإمام (فإن كسب العلوم (الكونية) والجهاد في تحصيلها قضية حياة أو موت في حق الأمة) 13. كما يركز الإمام على العلوم التجريبية، التي بها حقق الغرب قفزته وسطوته وامتلاكه لمفاتيح تسخير ما في الكون، بعدما أخذوها وتعلموها من العلماء المسلمين ومن الحضارة الإسلامية، يقول الإمام (لولا السَّلَفُ الـمُسلمون وإسهاماتهم الرائعةُ في مكاسب العقل البشري لَمَا كان لما نرَاه من المذهلاتِ وُجود) 14 كما ينبه إلى أن كلا من العلوم الشرعية والعلوم الكونية يجب أن يكونا تابعين وخادمين للعلم الغائي، وهو العلم بالله أو العلم الإحساني، الذي إليه ينبغي أن تنصب جهود العلماء المسلمين في حاضرنا لإقامته في الأمة، وتربية أجيال المسلمين عليه بصحبة العارفين بالله السالكين سبيل معرفته سبحانه، يقول الإمام (الإحسان الإتقاني يريد علوما كونية مستندة إلى العلم بالله والعلم بشريعة الله، وإلا كان كبعض أعمال البشر الكافرين، الدنيا مولِده ومقبرته) 15.

طالع أيضا  العلم

العلم الكلي

يطرح الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله العلم المنهاجي باعتباره علما جامعا مستندا إلى الوحي كتابا وسنة، موجها للناس في واقع دنياهم وآجل آخرتهم، مهتما بكليات الأمور متميزا بشمولية النظرة، متجاوزا بذلك انقسام العلم الذي عرفه تاريخ المسلمين بعد الانكسار التاريخي وانقضاض عروة الحكم. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (أَلَا إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الْكِتَابِ حَيْثُ دَارَ، أَلَا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلَا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلَا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مَا لَا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: (كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ) 16. هذا الانقسام كان له أثر بالغ ومباشر على العلم النبوي الذي أصبح مفرقا في الأمة ومجزّأ بين المذاهب، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (تفرد المحدثون رضي الله عنهم بالنصيب الوافر من أمانة الرسالة وتفرد الفقهاء بالأحكام، وتخصص مشايخ التربية في القلوب وعلاجها وتوجيه سيرها إلى الله. لم يكن في عهد النبوة انصداع في الأمر (…) وترجم كل فريق من أمناء الرسالة وورثتها ما عنده من علم، وخاض كل فريق في طائفة العلم التي تخصص فيها إلى درجة الاستغراق) 17.

كما أن الإمام رحمه الله لم يتأثر بالغزو الفكري الثقافي للاستعمار الجاهلي، الذي عمل على مسخ الشخصية الإسلامية وطمس الهوية والفطرة من قلوب وعقول نشء الأمة يقول رحمه الله: (تجلى قهر الاستعمار وكيدُه في تغـريب النخب المحلية، وتمريرهم من «طاحون التعليم» وتوريثهم الحكمَ، (…) أنِس المسلمون بالنخب المتعلمة التي خلَفَتْ الاستعمار، واطمأنوا إلى وطنيتها، واستناموا على دينهم. ما علموا إلا بعد حين أن هذه النخب غَرْسٌ دخيل، جذوره الجسمية منا، وسَقْيُهُ واستمداد عقله وروحه منهم) 18، ويقول أيضا (تدهورت مدارسنا تدهورا شنيعا. مناهج تعليمنا وضعها الاستعمار، فهي لا تزال امتدادا له. بل أشد الاستعمار وأنكره فينا هو الاستعمار الثقافي) 19. وبذلك يكون الإمام تخلص من ثقلين: ثقل التاريخ الإسلامي وما خلف من التقليد والجمود، وثقل الواقع، الذي جعل العالم المسلم منبهرا بالحداثة والتقدم المادي للعقل اللائيكي والانبهار به (نحلة الغالب)، ليتناول العلم بمفهومه الحقيقي الكلي الجامع، من المنبع الصافي والمصدر الكامل كتاب الله تعالى وسنة المصطفى المعصوم صلى الله عليه وسلم، الذي يجمع بين الرحمة القلبية والحكمة العقلية والإرادة الجهادية، يقول الإمام رحمه الله: (العلم فهم العقل الخاضع لجلال الله، ونور في قلب من أيده بالإرادة الجهادية) 20.

طالع أيضا  إلى الذين رحلوا... لم يطلبوا جزاء ولا شكورا

خـاتمـة

العلم المنهاجي الذي يدعو إليه الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، هو الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، أخذوه في حضن الصحبة المباركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقرونا ومندمجا بالعمل الصالح، والتزكية والجهاد، علما جامعا شاملا مؤمنا بالغيب، قاصدا وجه الله تعالى نافعا في الدنيا والآخرة، يقول الإمام المجدد رحمه الله (المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمن الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابية، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناسا به لا عبئا ثقيلا؛ اجتهاد نستضيئ به نحن لنقول كلمتنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة) 21.


[1] الحجر، 86.
[2] التوبة، 78.
[3] التغابن، 18.
[4] البقرة، 282.
[5] فاطر، 28.
[6] عبد السلام ياسين، محنة العقل المسلم، ص92.
[7] عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية، ص5.
[8] عبد السلام ياسين، الإحسان 2، ص10 و11.
[9] رواه البخاري ومسلم.
[10] رواه البخاري.
[11] عبد السلام ياسين، الرسالة العلمية، ص5.
[12] رواه الترمذي.
[13] عبد السلام ياسين، حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص144.
[14] عبد السلام ياسين، حوار الماضي والمستقبل، ص137.
[15] عبد السلام ياسين، تنوير المؤمنات، ص218.
[16] رواه الطبراني.
[17] عبد السلام ياسين، الإحسان 1، ص85.
[18] عبد السلام ياسين، العدل، ص556.
[19] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص224.
[20] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي، ص213.
[21] عبد السلام ياسين، الإحسان 1، ص200.