عَبْدٌ سَلاَ عن دُنا الأهواءِ وارتحَلا ** في حادِثٍ مُرْوِعٍ وافى المـُنى أجَلا

الحزن حينا على فَقْدٍ وصادِمَةٍ ** والقولُ يرضي مَن استدعى ومَن مَثُلَ

لا حزن للنّائح المهووس معترِضاً ** لا خير في قول من أرغى أَوِ اِهْتَبَل

صبراً أحبّتنا في “سْلاسَ” مسقطه ** فَقَدْتُمُ من إلى الرحمن قد عَجِل

وفي “تِنِجْدادَ” أو فاسٍ وجارتها ** كلٌّ بفقدانه ما زال مُنْذَهِلا

لما رأى ما رأى من هول حادثِه ** حتّى أتى حفلة التّأبين فاحتفل

في “الرّاشديّة” نال الحِبُّ طِلْبَتَهُ ** نِعْم الشّهيد ونِعم المـُنتهى أمَلا

الرُّشْدُ كان دليلا أَمَّ سيرتَهُ ** فقادها للهُدى والـمُبتغى سُبُلا

رُشْدُ الخَليلِ وما مِثْلُ الخليل جَدا ** “عبدُ السّلامِ” ألا أكْرِم به مَثَلا

والنَّهْجُ عدْلٌ وإحسانٌ مَراشِدُهُ ** أَعْيَتْ حَسوداً وأوْهَتْ مَن طغى وعَلا

وأَسْعَدَت مَن ذُرى الإحسانِ بُغْيَتُهُ ** حادِي الدُّعاةِ إلى دَرْكِ العُلا قُلَلا

قد كان رُشْداً كلامُ الصَبِّ دعْوَتُه ** نَثْراً وشِعراً فما غالى ولا ابتذَلَ

والرُّشْدُ كان له رَهْطاً وصاحِبَةً ** فالرّهطُ دَعْمٌ لنيلِ المـُبتغى مُثُلا

والأهْلُ سُكنى له أَجْمِل بها نُزُلا ** للذِّكْرِ حافِظَةٌ عِلْماً غَدا عَمَلا

قد أُسْنِدَتْ مِن رَشِيدٍ عالِمٍ عَلَمٍ ** عبدِ العليِّ ومَن يَقْفو الخُطا وَصَلَ

خديجةٌ شَوْقُها للحقّ غايتِها ** خديجةٌ اِسْمُها والشّوقُ قد كَمُلَ

لله ثمّ لشطر الرّوح جنّتها ** ما كان لله حقّا دام واتّصل

ما مات مَن ترك الأعمال تخلفه ** عِلما وجارية أو وَهْبَةً بَتَل

والخَيْر في عَقِبٍ يدعو لوالده ** إن صام أو قام في ثُلْثِ الدُّجى وتَلا

بيتُ الفقيدِ غدا حِضْناً لهُ شَغَفٌ ** بالذِّكْر والفِكْرِ أمْضى الوقْت مُشتغِلا

أبناؤُه قِلّةٌ مِن صَفْوَةٍ بَلَغوا ** ما يرتجيه الأُسى مِن فِطنةٍ وعُلا

البحثُ دَيْدَنهُ مِن أجْلِه عُجِنَت ** سيّارةُ الأُسرَةِ الفُضْلى ببِنْتِ فلا1

لَمْ يَشْهَدِ البِكْرَ يُعطى أجْرَ غلَّتِه ** نادى المنادي فلبّى الأمرَ مُمتثِلا

حُبُّ الإله وحبُّ المصطفى شرَفٌ ** أنّى يُضاهيه حُبٌّ ينتهي لِبِلى

فليحْفَظِ اللهُ مَن أبقى بحِكمته ** وليرحمِ اللهُ مَن أفناهُ فانتقَلَ

لِدارِ نِعمَته جاراً لِصَفْوَتِه ** طَهَ ومَن ناصَر الهادي وما خَذَلَ

بالشِّعْر والأهْل والأموالِ مُفتَدِيا ** أفناهُمُ في رِضى المولى وما بخِلَ

كان الفقيدُ خَلوقاً طيِّبا وَرِعاً ** في خِدمة الأهْلِ إحسانا فما عدَلَ

عَن نَفْسِهِ مُؤثِراً حاجاتِـها كَرَما ** فكان سائِقَها للحِفْظِ لم يَقُ2 لا

وفي قِرى الضّيْفِ والإحسانِ كان فتىً ** وإن تُرِدْ شاهِدا عَدْلا تَجـِد رَجُلا

إمّا يُنادى إلى غَزْوٍ ومَلْحَمةٍ ** تَرى “السَّلاسي” زعيماً سابِقاً بَطَلا

قِرْطاسُهُ كان للإِعلام مَفْخرةً ** حِبْراً به لَحْظُ إعلامٍ لنا اكْتَحَلَ

أشعارُه ومَقالاتٌ له اكتسَحَت ** صحائِفاً أينَعَت بالمـُشتهى أُكُلا

مُحاضِراً كان لا تَكْبو ركائِبُه ** يَرْوي المـُجالِسَ إن ألقى وإن سُئِلَ

ويختِمُ الشِّعْر دوْماً بالصّلاة على ** طه ولا يبتغي عن مِسْكِها حِوَلا

صلّوا عليه صلاةً ذِكْرُها سَكَنٌ ** فاقَتْ حَلاوَتُها إنْ ذُقْتَها العَسَلا

قصيدة نُظِمَت يوم دفنِ وتأبينِ الفقيد الشّهيد السّعيد ذي الذّكر الحميد والأثَرِ المجيد الشّاعر والدّاعية الرّشيد “حسن السّلاسي” مَن أحْسَنَ إِسْلاس قِيادِه لمـُرشِدِه فكان نِعم الصّاحِب، وأعطى بُرهان صِدْقِ انتمائه “للعدل والإحسان”، فكان نِعم الطّالِبُ الرّاغِب القائِم بالواجِب. رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته، وألحقَه بنبيِّنا عليه الصلاة والسّلام ومُرشِدِه الإمام المجدّد عبد السلام في أعلى علّيين مع النبيئين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسُن أولئك رفيقا، ورَزَق أهله الصّبر والسّلوان، واستخْدَمنا في الوفاء بعهد محبّته قدر الإمكان. وإنّا لله وإنا إليه راجعون خيرُ الكلامِ ومِسك الخِتام قبل السّلام.

فاس فاتح ذي القعدة 1440ه الموافق لـ 4 يوليوز 2019م.

———————————-
[1] أي فلاة.
[2] أي يقُل.