بسم الله الرحمن الرحيم

أخي وقرة عيني سيدي الحسن السلاسي رحمك الله:

عرفتك أوائل ثمانينيات القرن الماضي ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، نغدو ونروح في أزقة فاس العتيقة ودروبها، وجمعنا القدر بالكُلِّية أيام الطلب والنضال، فكنتَ نعم الأخ ونعم الرفيق، وبعدُ شاءت الأقدار أن نجتمع في مجالس التربية والتعليم بالجماعة التي كنت أحد أبنائها البررة، ثم عُيِّنت أستاذا وتنقلت بين مدن عديدة، فبَعُدَت أبداننا وبقيت أرواحنا موصولة متصلة، إلى أن ألقيتَ عَصَا التَّسْيَار على فراسخ من فاس مسقط رأسك ومحل أُنْسِك، حيث رُدّت بضاعتنا إلينا، ورجع الدُّرّ إلى صَدَفه، والإبريز إِلَى معدنه. وقُبِضَتْ روحك قريبا من الرشيدية وقد ثَوَيْت بِقُربها عشر حِجَجٍ مُدَرِّسًا، وها أنت الآن ترقد في تربة مكناسة الزيتون، ولم يخطر ببالك أن مثواك الأخير سيكون ثَمّ (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ).

أخي أيها المُحبّ: لقد دافعت بصدق وأناة بقلمك عن الدعوة التي آمنت بها وعشت في كنفها، وعشقت محاضنها ورياضها، ونافحت بشعرك ونثرك عن قضايا أمتك، ولم تَلِنْ لك قناة ولا وهن لك مقال، فشفيت واستشفيت، صَاحِ هذي المنازل والمجالس والمنتديات والمدرجات تشهد على علو كَعْبِك في العلم والمعرفة والأدب الرفيع، وستتذكرك وتذكر حِكَمَك وبيانك ومعانيَك المستحسنة طبعا وشرعا، وقد حَوّطْتها بذكر الله وحمده والثناء عليه والصلاة على رسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم.

أخي العزيز: لقد كنت سندا لزوجك الكريمة خديجة، معينا لها على الانخراط في التعبئة والبناء والتربية. يشهد مُحِبّوك ورفقاؤك أنك كنتَ سببا في حفظها للقرآن الكريم، وتحقيقها لِلَفظ التلاوة، حتى أضحت ماهرة به، وأجيزت فيه كاملا، فتَعَلّمتْ وعَلَّمتْ، فهنيئا لها وهنيئا لكَ.

اقتطعت أوقاتا من زهرة حياتك، وأضفت ذلك إليها كي تتفرغ لسلوك سبيل الصوالح القوانت الحوافظ، وأنت فرح بذلك ومستبشر، وكأني بها تذرف الدمع من شدة المصاب وهي صابرة محتسبة تقول لك: لن يخزيك الله أبدا.

استفرغت وسعك لتربية أبنائك، وبذلت جهدك حتى يكونوا شامة وسط الأقران، ورحلت عنهم وتركت لهم اللهَ تعالى الخليفةَ فيهم، وهو يتولاهم ويتولانا معهم، أبناؤك أبناؤنا، يسرنا ما يسرهم، ويسوؤنا ما يسوؤهم. لن يذهب عملك سدى أخي الحسن (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ).

السَّلَامُ عَلَيْك يا سيدي يا حبيبي، “إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ”. أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه، اللهم ثبت عند المسألة منطقه، واجمعني وإياه مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

والحمد لله رب العالمين.

كتبه العبد الفقير إلى مولاه عبد العلي بن عبد الرحمن المسئول عفا الله عنه.

الخميس فاتح ذي القعدة 1440ه/ 4 يوليوز 2019.