أجرى موقع الجماعة.نت حوارا مع الأستاذ محمد بارشي عضو مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان بمناسبة الحملة الأسرية  “قرة العين”، الحملة الاجتماعية الإعلامية التي تروم تمتين روابط المحبة والود بين الآباء والأبناء.

وتحدث الأستاذ بارشي في هذا الحوار عن الأسرة باعتبارها نواة المجتمعات، موضحا أن العلاقة بين الآباء والأبناء في ديننا الإسلامي عبادة يتقرب بها المؤمنون والمؤمنات إلى الله تبارك وتعالى.

واعتبر أن طبيعة العلاقة بين الأبوين لها تأثير إيجابي أو سلبي على حياة الأبناء، لأن الطفل في سنواته الأولى يتلقى عن محيطه من خلال الملاحظة، مشددا على أن أساس العلاقة مع الأبناء ينبغي أن تبنى على الحب لا على الخوف أو الرهبة. لأن أهل التربية يصنفون العلاقة المبنية على الحب في المرتبة العليا، والذي يحترمك لا يعني أنه يحبك لكن العكس صحيح.

تفاصيل وقضايا أخرى من الحوار في النص التالي:

أين نصنف الاهتمام بالعلاقات الأسرية داخل السلم الاجتماعي، (العلاقات المهنية، الصداقات،….) ولماذا؟

في البداية أشكر القائمين على هذا الموقع المبارك، وكل المساهمين في هذه المبادرة التي نسأل الله أن تترك أثرا حسنا وأن تكثر نتائجها الطيبة.

إذا تكلمنا على المجتمع فالأسرُ لبناته، قوته من قوتها وتماسكه من تماسكها، ينتج عن تفككها تفكك المجتمع بل خرابه لا قدر الله، القيم الاجتماعيّة لا تتحقق إلا داخل الأسرة كالمحافظة على الأنساب ومعاني التكافل الاجتماعي. ومن تم فالاهتمام بالعلاقات الأسرية يكون من الأولويات.

في ديننا الأسرة هي الراعي الأول للنشء، هي الحاضن، استخلف الله سيدنا وأبينا آدم في الأرض لعمارتها، والعمارة بمنطوق الملائكة الكرام تكون بالخضوع لله تسبيحا وتحميدا، لا بالإفساد وسفك الدماء كما هو الحال الآن، نسأل الله اللطف.  في الحديث عند البخاري رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه،…). يدل هذا الحديث على أن المولود يولد مسلماً، وأن التهود أو التنصر أو غيره أمر طارئ على أصل الفطرة، قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: “الكفر ليس من ذات المولود ومقتضى طبعه بل إنما حصل بسبب خارجي، فإن سلم من ذلك السبب استمر على الحق.”

ضمن هذه العلاقات الأسرية والعائلية تحتل علاقة الآباء بالأبناء والأبناء بالآباء مكانة عليا، ما سر هذه المكانة وحرمتها وقدسيتها؟

العلاقة بين الآباء والأبناء في ديننا عبادة يتقرب بها المؤمنون والمؤمنات إلى الله تبارك وتعالى، فمن جهة وصّى القرآن الكريم بالإحسان للوالدين حيث قال في سورة الإسراء وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، في هذه الآية جاء ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد تخليص التوجه لله سبحانه، ومن جهة ثانية الأبوان راعيان مستأمنان على ذريتهما و(الرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ،..) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عند الشيخين رحمهما الله. إذا قدرنا هذه العلاقة فالأبوان يتقربان إلى الله بحسن الرعاية والتلطف فيها، والذرية ترضي الله بإرضاء الأبوين.

عقوق الوالدين من أكبر الكبائر كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزّور وشهادة الزّور، فمازال يكرّرها حتّى قلنا: ليته سكت). والأبناء أمانة مسترعاة عند الأبوين وحفظ الأمانة من تمام الدين. يختل الميزان إذا انتبهنا فقط لما لنا من حقوق ونسينا ما علينا من واجبات.

هل يمكنكم إعطاء بعض الإرشادات التي ترونها مهمة في تعامل الآباء مع أبنائهم؟

أولا نتوجه إلى الله بالدعاء ليحفظ الله أبناءنا وبناتنا مما يحيط بهم من سوء، هناك من يمكر ويكيد ويخطط لينحل الأبناء ومتسترين بشعارات زائفة، في ما سبق كان للأبوين أعوان على هذه المهمة الشريفة، منها المسجد والمدرسة والمحيط والإعلام، في حاضرنا المساجد مؤممة والمدرسة اسم بلا مسمى، والمحيط والإعلام حدث ولا حرج.

الطفل في سنواته الأولى يتلقى عن محيطه من خلال الملاحظة، هذا يعني أن طبيعة العلاقة بين الأبوين لها تأثير إيجابي أو سلبي عليه، إذا نمى الطفل بين المودة والرحمة اللتين ذكرتا في كتاب ربنا، يكون نباتا طيبا بإذن الله. ينبغي تجنب قمعه والغلظة عليه في سنواته الأولى، بل في حياته، لأن كليهما تأثر على شخصيته تأثيرا سلبيا ولا قدر الله على رجولته فيما بعد، قد يكون رد فعله فيما بعد غير مرض، نوجهه باللطف والرفق، نعلم أنه في سنه هذه يجهل الكثير، لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حينما بال أعرابي في المسجد وقام الناس ليقعوا فيه، نهاهم ثم دعا بالأعرابي وقال له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير) والقصة بكاملها عند الإمام مسلم. شفع للأعرابي جهلهُ بقيمة المسجد عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكيف يعاقب الطفل أو يغلظ عليه في هذه السن. الرحمة والرفق والتلطف، وما يسير في فلك هذه الخصال هي أدوات التعامل في هذه السن، بها نبني علاقة تواصل وانفتاح مع أطفالنا تهيؤاً لفترات العمر الآتية، إن مدّ الله فيه.

طالع أيضا  الآباء والأبناء، أية علاقة؟

في سن المراهقة نعتمد الحوار معهم، ونتعلم أو نتدرب على الاستماع إليهم، نتحاشى ممارسة الأستاذية عليهم، نؤسس لمفهوم التشاور والتداول، والنقاش الهادئ بين أطراف العائلة بدءا بقضاياها إلى قضايا الأمة.

العصمة من الأخطاء لمن عصمهم الله، أبناؤنا يخطؤون كما أخطأنا ونحن في سنهم ولا زلنا نخطئ، ننصحهم بغير إحراج، نتخلق بخلق التغافل في بعض الأحيان، مدح الله رسوله الكريم في سورة التحريم حيث قال: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ، وأعرض عن بعض نتأمل ونتدبر هذه، حصل المراد فيما عرَّفه لا داعي للباقي. حري بكل أب أن يتدبر سورة يوسف لما فيها من الدروس والعبر في تعامل نبي الله يعقوب عليه السلام مع خطإ أبنائه. عند الإمام أحمد رحمه الله بإسناد جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن فتى شابًّا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا! فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه! فقال: (ادنه)، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)، قال: (أفتحبه لابنتك؟)، قال: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لبناتهم)، قال: (أفتحبه لأختك)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأخواتهم)، قال: (أفتحبه لعمتك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لعمَّاتهم)، قال: (أفتحبه لخالتك)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لخالاتهم)، قال: فوضع يده عليه، وقال: (اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فَرْجَه)، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. نلاحظ أن الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم لم يستعمل منطق الحرام والحلال، إنما تلطف بالصحابي الشاب وأقنعه بالحكمة ودعا له، لو رسخ لدى الشاب مفهوم الحرام والحلال ما سأل ولا استأذن لاقتراف كبيرة، وأعظم من هذا شعور الشاب بالأمان وهو يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنسأل مثلا لمَ لمْ يأت غيره ويسأله والراوي قال “فأقبل القوم عليه فزجروه”.

فما هي الأمور السلبية التي ترون أنه من الأفضل الابتعاد عنها؟

أساس العلاقة مع الأبناء أن تبنى على الحب لا على الخوف أو الرهبة. يصنف أهل التربية العلاقة المبنية على الحب في المرتبة العليا، أفضل من أن تبنى على الهيبة والاحترام وبطبيعة الحال الخوف، الذي يحترمك لا يعني أنه يحبك لكن العكس صحيح.

من الأمور السلبية الغلظة، قال الله تعالى لرسوله الكريم ولمن يتأسى به: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران) الغلظة نتيجتها الانفضاض، وانفض الشيء انكسر وانفض الجمع تفرقوا وذهبوا، والأبناء إن لم يذهبوا حسا ذهبوا معنى، غليظ القلب لا يألفه أبناؤه، قال عليه الصلاة والسلام (إن أحبكم إلي أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون) موطأ الأكناف هو المسهل الميسر الذي يمكنك مصاحبته من غير أن يؤذيك. الغليظ لا يألفه أحد.

من السلبي كذلك أن يغيب الاحترام المتبادل بين الأبوين من جهة وبينهما وبين الأبناء من جهة ثانية. في سورة الحجرات، التي تسمى كذلك سورة الأخلاق، نهى الله عن التنابز بالألقاب أي التعاير بها، وعن السخرية، وعن سوء الظن. عند البخاري رحمه الله (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) هل من الخير الإهانة؟ كيف يتعلم الأبناء خلق الاحترام إن فقدوه في أبويهم؟

من السلبي أن نخلف مع أبنائنا الوعود، يعد الأب أو الأم بشيء ولا يفيان به هذا لا ينبغي، إن تعذر علينا نعلمهم نشرح لهم لكن لا ننهرهم عند الطلب ولا نكذب لا نكذب لا نكذب عليهم فإنه بئس الخلق إن أخذوه عنا.

عموما شرع الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يأمران بحسن الخلق وحسن المعاملة و ينهيان عن السيئ منهما، النهي يشمل خارج البيت وداخله، يشمل التعامل مع الأسرة وسائر الخلق، نعوذ بالله أن يكون لنا وجهان أو خلقان أو سمه ما شئت داخل البيت وخارجه.

ما هي المظاهر التي قد تنبئ الآباء عن وجود توتر في العلاقة مع أبنائهم؟

لا نتصور ألا يقع الخطأ فـ(كل ابن آدم خطاء، وخير الخطَّائين التوّابون)، في حالة التوتر يتسلح الأبوان بالهدوء وعدم الانفعال، من الأفضل ألا يتخذ الأبوان نفس القرار أو الموقف، وإنما يتقسمان الأدوار حتى إذا كان التوتر سهل التغلب عليه وتدارك الموقف، يميل الابن أو البنت إلى الهين من الأبوين في هذه النازلة وقد يخبره أو يشير. إذا لم يتقاسم الأبوان الأدوار المفروض أنهما أو أحدهما على الأقل يعرف مزاج أبنائه، يعرف انشراحهم وتوترهم. إن كان الأبوان يجهلان طبائع الأبناء فهذا عنوان التباعد الحاصل داخل الأسرة ينبغي العمل على علاجه.

طالع أيضا  ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين.. تأملات في آيات

توتر الأبناء في السنوات الأولى يصحبه بكاء أو امتناع عن الأكل أو رفض مراجعة الدروس أو ما يتناسب مع سنهم وغالبه إن لم نقل كله بريء.

توتر الأبناء في سن المراهقة والشباب نتائجه بحسب طبيعة العلاقة مع الأبوين، وقد تنتج عنه بعض المواقف التي لا يصرح بها الأبناء.

في جانب الأبناء، هلا وضعت أصابع الشباب والرجال والنساء على مفاتيح إيجابية في التعامل مع آبائهم وأمهاتهم؟

قلنا في سؤال سبق أن طبيعة العلاقة هي عبادة لله واتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواء من جهة الآباء نحو الأبناء أو من جهة الأبناء نحو الآباء.

الإحسان إلى الوالدين وبرهما من صميم ديننا، عدم رفع الصوت عليهما وخفض الجناح، ينبغي أن نعلم أن دافع الوالدين في مواقفهما تجاه أبنائهما عموما هو حب الخير للأبناء، لنقدِّر هذا فيهم، قد يكون من بعضهم سوء في التصرف لكن الدافع خير وسرعان ما يتم التراجع.

 مما يسعد الآباء ويبذلون في ذلك جهدهم أن يوفق أبناؤهم في دراستهم وأن يحوزوا على نتائج مرضية، حري بالأبناء أن يبذلوا هم كذلك جهدهم ليحققوا لهم هذه الرغبة ما استطاعوا متكلين على الله ومستعينين باتخاذ الأسباب لذلك ومسنودين بدعاء والديهم.

يحرص الأبناء ألا يغضبوا آباءهم، خاصة عند كبر سنهم، وأن ينفقوا عليهم عند الاستطاعة ذلك يسعدهم، وفي حالة عدم الاستطاعة فالكلمة الطيبة والرفق والتلطف بهما من البر.

وما هي أيضا الأفعال التي ترونها تقوض علاقتهم بآبائهم؟

هذا السؤال فيه شيء من الحرج، إذا كان الآباء من أهل الدنيا وطلابها فحرصهم ظاهر، حقق الأبناء نتائج مرضية في هذا الشأن فهم نعم الأبناء عند والديهم، لا ضير عندهم إذا كان التهاون في أمر الآخرة، لا نستغرب هذا واقع. قصَّ الله علينا بعضا من سيرة قارون في كتابه العزيز، آتاه الله من الكنوز والمال فصدَّ بذلك عن سبيل الله وجاءه التوجيه في قوله سبحانه : وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.

نوع ثان من الآباء حرصهم على آخرة أبنائهم غابت عنه الحكمة فتسلحوا بالأمر والنهي، بالحلال والحرام، يجب ولا يجب… هذا وأمثاله قد ينفر وديننا فيه التبشير، قد يعسر وديننا فيه التيسير، حينما بعث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابيين الجليلين معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن كلا منهما إلى إقليم قال: (يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَ) (الحديث عند البخاري) لنتساءل هل التيسير والتبشير أمران خاصان بأهل اليمن أم هما خلقان مطلوبان في الدعوة إلى الله والترغيب في طاعة الله سواء مع الأبناء أو غيرهم؟.

المحمود أن نسعى ليعيشوا في كفاف وغنى عن الناس وأن تكون حياتهم مستقرة، حياة مستقرة لتكون مطية لفلاح في الآخرة إن شاء الله.

فما هي كذلك المظاهر التي يستشف منها الأبناء عدم الرضا عند الوالدين، حتى يتمكنوا من الاستدراك قبل أن يستفحل الأمر؟

الآباء في غالبيتهم يعلنون عن عدم رضاهم إن حصل، يظهر عند بعضهم في قسمات الوجه أو في تلبية الطلبات، وقد يظهر في تقليل الكلام، وبعضهم يرتكب المحذر منه عند أهل التربية وهو قطع الكلام لمدة قد تطول مع الأبناء.

قلت في سؤال سابق إن المفروض أن يعرف الآباء مزاج الأبناء، وهو كذلك عند الأبناء أن يعرفوا طبائع الآباء. نذكر هنا قصة روتها السيدة عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: “قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى)، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: (أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ،) قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ”. التعايش داخل الأسرة الواحدة يكشف لأفرادها طبائع بعضهم، حالة الرضى وحالة الغضب. إذا كانت حالة الغضب نجتهد لتجنب أسبابه.

من الأخلاق الرفيعة داخل الأسرة خلق الاعتذار، اعتذار المخطئ أبا كان أو ابنا خلق عظيم، والعظيم كذلك قبول الاعتذار.

من خلال بحثكم ومعايشتكم لواقع المغاربة وما يعتمل فيه من تحولات، ما هي ملاحظاتكم الجوهرية على واقع العلاقة بين الوالدين والأبناء -في الاتجاهين معا- وما يعتمل فيها من تغيرات؟ وما الذي ينبغي فعله؟

للأسف الشديد العلاقة بين الوالدين والأبناء طغت عليها الماديات والتنافس غير المحمود بين العائلات وخاصة بين الأقارب أو الجيران. الحرص أن يتفوق الأبناء في حدوده أمر طيب لكن يسوء إذا كان دافعه الحسد أو الغيرة المقيتة أو التعالي على الغير والتكبر عليهم.

طالع أيضا  تنشئة الأبناء: من التحكم إلى البناء السوي

هناك غياب شبه تام للحوار بين الآباء والأبناء، الله قص علينا في كتابه ما كان بين سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل لنعتبر، حيث قال سبحانه: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ، قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، نتدبر قوله فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ، الأب والابن يعلمان أنه أمر الله. الحوار والتواصل بين أفراد الأسرة أساسان مهمان في العلاقات مع الأبناء.

في بعض العائلات هناك فقدان الثقة بين الأبوين من جهة، وبينهما وبين الأبناء من جهة ثانية، بيت أو أسرة فُقِدت فيها الثقة حلَّ محلها الشك وسوء الظن، وهذا بداية الخراب لا قدر الله. ينبغي أن نبني هذه الثقة لأنها من أهم الأسس في البيت.

الاجتهاد في الأسباب أمر مطلوب مع اللجوء والتضرع إلى رب الأسباب أن يبارك وييسر وينبت من الحرث زرعا مباركا طيبا. الله قدر الأرزاق وفضل بعضا على بعض في الرزق، لا يصل الأسرة إلا ما قسم الله لها فلا تحزن، النتائج بيد الله وعلينا أسبابها.

من أركان الإيمان “الإيمان بالقدر خيره وشره”، ما قدره الله سبحانه في سابق علمه، الأبوان يسألان الله فضله وكرمه واللطف فيما جرت به أقداره، وعندما نسأله الذرية نسأله ذرية صالحة، الصلاح هنا دنيا وأخرى لا كما يريده البعض، أصلح الله أبناءنا جميعا وهداهم إلى الخير آمين.

عندما يكبر الآباء، ويصبحون في أرذل العمر، يحتاجون من يقوم بأمرهم، ومع احتمال انصراف الأبناء أو بعضهم إلى حياتهم الخاصة وما يتولد عن ذلك من إهمال و”تصدير” للمسؤولية، ما هو التعامل الأمثل مع الوضع في نظركم؟ وما النصائح التي تقدمها للأبناء في مثل هذه المرحلة الحرجة من حياة والديهم؟

الله سبحانه ذكر في كتابه قوله: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(سورة الإسراء) المطلوب أن يتعاون الأبناء في البر إن لم يتنافسوا في ذلك، وأن يسألوا الله التوفيق والسداد، الوضع الاجتماعي للأبناء عامل أساس نسأل الله أن يوسع على الجميع.

بحسب الإمكانيات يقسم الأبناء الأدوار بينهم ويتعاونون في ذلك، والميسور يحمل عن المعسر، ومن له الوقت يحمل على من ليس لديه، والجميع يسأل الله التوفيق والسداد للبر بهما أو بأحدهما بعد رحيل الآخر إلى الدار الآخرة.

حذار أن ننشغل بالأبناء عن الآباء، نحن نقدم، فلنقدم خيرا ولنحسن ليحسن إلينا، بل لنتقرب إلى الله بهما كما سبق ذكر ذلك.

تطرأ على حياة الناس، عموما، مشاكل تكدر صفوها بما في ذلك الأسرية، هل يمكنكم إعطاء بعض التوجيهات التي من شأنها أن تمحو الأثر النفسي السلبي، حتى لا يحصل ذلك التراكم الذي في الغالب يكون سببا في انفجار مشاكل أخرى؟

الله سبحانه في كتابه ذكر أسس الحياة الزوجية أو العلاقة بين الزوجين في سورة الروم حيث قال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، السكن والسكون تعني الطمأنينة والراحة، والمودة الحب المتبادل، في علوم النفس المودة شعور بالانسجام بين شخصين أو أكثر، والرحمة  من صفات الله تعالى. يقول الإمام المرشد رحمه الله في كتاب العدل “بالمودة والرحمة الحميمين يتميز الزواج المطابِق بالقصد والفعل والتوفيق الإلهي للفطرة. وبهما لا بمجرد العَقْد القانوني يحصل الاستقرار في البيت، وبالاستقرار في البيت يشيع الاستقرار في المجتمع.” العقد القانوني يحل لكل زوج ما كان غير جائز قبله من الآخر، لكن العقد لا يربط بين قلبين، سعي كل منهما ليتحقق هذا الرابط القلبي من الواجبات الأساسية في بناء العلاقة بينهما. بيت فيه المودة والرحمة والسكينة أرض خصبة لنبات صالح بإذن الله الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ (سورة الأعراف).

يعتبر الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله أن “الأسرة القوية عماد الأمة القوية، والأم المربية المصلحة عماد الأسرة.” (تنوير المومنات2 222)، كيف تكون هذه الأسرة قوية إن كان فيها الكدر، المشاكل تنخر هذه القوة.

حثَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجين ورغبهما أن يصليا لله ركعتين ويسألانه فضله وكرمه، وأن يرزقهما من فضله وكرمه الذرية الصالحة خاصة في أوقات الاستجابة، يسألان الله أن يمن عليهما وأسرتهما بحياة طيبة، الحياة الطيبة كما يقول الإمام رحمه الله “جزاءُ المؤمن والمؤمنة هنا إن عملا صالحا وأقاما شرع الله في علاقاتهما. والحياة الطيبة في الجنة هي الجـزاء الأوفى الأبقى.” (كتاب العدل).

في الختام نسأل الله أن يصلح أحوالنا وأن يحفظ ذرياتنا من كل سوء وأن يرزقنا حسن الأدب والمعاملة مع آبائنا آمين.