في سياق إحياء الذكرى الخامسة لرحيل الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، قدم موقع الجماعة نت سلسلة من الحوارات مع ثلة من أبناء جماعة العدل والإحسان الذين أصدروا مؤلفات تدور موضوعاتها حول بعض قضايا المشروع التغييري للإمام المجدد.

في هذه الحلقة حاور الموقع الأستاذ الحسن السلاسي، الذي سبقنا إلى الدار الآخرة، في موضوع كتابه “الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”، والذي صدر عن “مؤسسة الإمام عبد السلام ياسين” عام 2015 في حوالي 190 صفحة، موزعة على ستة فصول، بالإضافة إلى تقديم عام وخاتمة عبارة عن استنتاجات، مع تقديم للدكتور زكرياء السرتي، المدير العام لشبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات.

فيما يلي نص الحوار:

بداية أستاذ السلاسي، لا شك أن لكل كاتب رسالة وغاية من كتابه. ما رسالتك من كتاب “الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي عند الأستاذ عبد السلام ياسين”؟

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان على الرحمة المهداة محمد بن عبد الله وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين آمين.

في البدء أتوجه بالشكر والامتنان إلى القيمين على هذا الموقع، لإسهامهم في التبليغ والبيان وإسماع صوت الحقيقة بصدق وأمانة واحترافية، وأعبر عن سعادتي الغامرة بهذه الاستضافة الكريمة.

أما عن الغاية من هذا الكتاب فلا شك أنه بعد الغاية الكبرى وهي رضى الله تعالى، تتمثل الغاية منه تاريخيا وعلميا وبحثيا في تسليط الضوء على المشروع التجديدي الذي جاءت به نظرية المنهاج النبوي للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، وهي النظرية التي تحتاج إلى جهود الباحثين والمفكرين لبيان قيمتها النظرية العلمية والعملية التطبيقية، استشرافا للبناء الجامع المنشود لشتات الأمة الإسلامية بعد عصور الظلام والانحدار والضعف التي مرت وتمر بها.

تعلن منذ مقدمة الكتاب انحيازك إلى بناء الإمام ياسين مفاهيمه على الأصل القرآني، وهي الفرضية التي اشتغلت عليها. كيف توصلت إلى ذلك؟ وما المؤشرات العلمية لصحة هذه الفرضية؟

وجب التذكير في هذا الصدد أن أصل هذا الكتاب بحث تمت المشاركة به في فعاليات المؤتمر الأول بإسطنبول حول نظرية المنهاج النبوي وكان محورها القرآن الكريم. وبالفعل، لقد انطلق البحث من فرضية مؤطرة هي أن نظرية المنهاج النبوي تقوم على القرآن الكريم وترتكز عليه، تأصيلا للمفاهيم والقضايا والموضوعات، وما يبرر هذا الارتكاز أن جميع منطلقات الإمام رحمه الله في كتبه ورسائله وتصريحاته وأقواله تتأسس على القرآن الكريم، وتشير إليه تصريحا مباشرا. ولا شك في ذلك فالقرآن هو العلم والمنهاج، وهو النور الهادي إلى صراط الله، وهو المرجع الذي يبرهن به على الهدى والضلالة، وعلى الصلاح والفساد، وعلى إصابة العقل وخطئه، وعلى سلامة الفهم وعلته. كما يذكر رحمه الله في كتابه القرآن والنبوة.

طالع أيضا  المنهاج النبوي.. القيمة الجوهرية والأداتية والبنائية

تتطرق لمسألة أساسية وهي عملية “بناء المفهوم”، ما معنى ذلك؟ وكيف تتم هذه العملية؟

تعلمون أن نظرية بهذا الحجم والقوة والأصالة تحتاج إلى أسس وعناصر ودعامات منهجية، ومن ذلك حتما بناء جهاز مفهومي متكامل يرتبط بالإشكالية والفرضية ومسار بحث وتحليل ومناقشة، هي إجراءات طويلة وممتدة، وقد أعلن الإمام رحمه الله منذ كتاباته الأولى نيته في تذليل الصعوبات التي قد تواجه المتلقي من خلال بناء جهاز مفهومي، وعملية بناء المفهوم تقوم على التأليف بين مجموعة من المصطلحات تشكل شبكة مترابطة تسمح بالجولان عبر العرض والتأكيد والمقابلة والنقد داخل إشكالية معينة، باعتبارها مجموعة متكاملة من الأسئلة العلمية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو السياسية… وهكذا وتسعى من خلالها عبر البحث والتحليل إلى تحقيق مجموعة من الأهداف واعتمادا على جملة من الوسائل.

تشدد على الأهمية التواصلية التي تقوم بها المفاهيم، هلا أوضحت لنا ذلك؟

عندما نطلع على كتابات الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه نجده يلح كثيرا على تحديد المفاهيم، ويركز على ذلك أشد التركيز، لإدراكه أن هذا العمل بالغ الأهمية، لمساعدة القارئ على التجاوب معه، وفي غياب هذه العملية يتعذر التواصل، ويصبح الحوار متعسرا، لهذا يقول: ونحن نحب أن نتفاهم تفاهما كاملا، لذلك نقف عند الكلمات لنحدد معانيها،

من مفاصل الكتاب تمييزك بين “المفاهيم الوسائل” و”المفاهيم الغايات”؛ ما الفرق بينهما؟ وما خصوصيات كل منهما؟ وما الدور الذي يؤديه كل صنف ضمن الجهاز المفهومي؟

ميز البحث بين مستويين من المفاهيم ترتبط فيما بينها في إطار هذا التكامل الذي أشرت إليه قبلا من كون الجهاز المفهومي كلا متكاملا، وهذا التمييز إجرائي لتسهيل عملية البحث من جهة، ولأن التقسيم يسمح بالإفهام والتوضيح أكثر من جهة ثانية، لكن بعض المفاهيم قد تتداخل فيما بينها ويستدعي بعضها بعضا، سواء كانت مفاهيم وسائل أم مفاهيم غايات، فمفهوم الإحسان وهو غاية الغايات، إذا وقفنا عند معنى من بين باقي معانيه عند الإمام وهو معنى الإتقان، نجده وسيلة من الوسائل في تأدية المشروع وإنجازه، وهو في امتداده المنهاجي غاية دولة القرآن أن يعبد الناس جميعهم ربهم كأنهم يرونه رأي العين. وهذا مطلب غال.

طالع أيضا  الإمام عبد السلام ياسين.. المجاهد المجتهد المجدد

وعليه فالمفاهيم الوسائل، مثل اقتحام العقبة والمنهاج النبوي والقومة والخصال العشر تساعد في قراءة الماضي والحاضر، والتخطيط للمستقبل، فهي بمثابة أدوات للتنظير والفهم والتحليل والتجديد، ومن جهة ثانية فالمفاهيم الغايات: مثل دولة القرآن والشورى والعدل والإحسان هي مطالب عزيزة وغالية يتطلب تحقيقها الجهد والوقت ويستعين عليها الدعاة والعاملون باليقين التام في موعود الله، وبهذا يلح الإمام رحمه الله في كتبه ومنشوراته ومسموعاته على المفاهيم الوسائل إعدادا لجند الله لطلب الغايات والحرص عليها. وقد أكد على أن الإحسان يتوج العدل ويتخلله ويسكن بين ضلوعه وهما معا عماد دولة القرآن بل إن الدين هو العدل والإحسان.

من ضمن المفاهيم الكثيرة التي نحتها الإمام عبد السلام ياسين، اعتبرت مفاهيم الخلافة والشورى والعدل والإحسان هي المفاهيم الغايات. ما الذي أعطى لها هذه المكانة؟

إذا نظرت إلى واقع الأمة، وما عرفته أحوالها من تغيرات مخيفة بدأت مع الانكسار التاريخي، وتتابعت مع العصور والأجيال، وضمن ما يموج به العالم اليوم، وما يحوطه من قيم زائفة ومظاهر خادعة، ستدرك أن الإنسان أصبح يعيش في الغاب بالمعنى السلبي، وأن أمة الإسلام الوارثة للرسالة العظيمة كرمت الإنسان ورفعت من شأنه، قد فقدت بوصلتها في التوجه السليم، وانحدر بها المسخ إلى أسفل الدركات، فدخلت كل جحر ضب مع الداخلين، فغاب العدل وصار مطلبا، وانحسر مبدأ الشورى الحقيقية القائمة على التناصح والتعاضد والتآخي، والمؤدي إلى الطاعة المسؤولة، وفي ظل هذه الأوضاع لا يمكن أن نتحدث عن تحكيم القرآن في حياتنا فقد صار تراثا من التراث، ونصا من النصوص ليس إلا، إذن فلا إحسان ولا خلافة، فغدت تلك المفاهيم مطالب وغايات وجب العمل على تحقيقها.

تتحدث عما أسميته مفاهيم بانية في دولة القرآن. ما هي وما دلالاتها؟ وما التقاطعات بينها وبين سابقاتها؟

هي مفاهيم وقف عليها البحث بعد صدور كتاب جماعة المسلمين ورابطتها للإمام المجدد رحمه الله وتمثل منها مفهوم الولاية ومفهوم جماعة المسلمين ومفهوم القيادة، باعتبارها مفاتيح لفهم الكتاب وبكونها مرتكزات وأسس ينبني عليها التصور العام لجماعة المسلمين ورابطتها في علاقتها بالإنسان القائد، والإنسان المشارك في بناء جماعة المسلمين، والخيط الرابط بينهما وهو الولاية: ولاية بين المؤمنين عامة وبين التجريدة الطليعية، ولاية تقوم على المحبة والشورى والطاعة وعلى الهجرة والنصرة، وبوجود قيادة ربانية مؤلفة قوية رصينة ومؤيدة، وهكذا تتكامل هذه المفاهيم مع المفاهيم الأخرى الوسائل منها والغايات.

طالع أيضا  صفحات من سيرة الإمام المجدد - الصفحة الثانية: معلم في الجديدة

في قراءة مفاهيم الأستاذ عبد السلام ياسين، ثمة من يمضي في اتجاه التمييز بين مفاهيم أصيلة وردت في القرآن والسنة، وثانية استعملت قبله فتبناها ووظفها، وأخرى هي من تأسيسه، ورابعة موجودة في الواقع رفضها. إلى أي حد تتفقون مع مثل هذه التقسيمات؟

هذا أمر صحيح ووارد، واختلاف التقسيمات أمر طبيعي مما يجعل النظرية حبلى بالتفسيرات والقراءات، وهذا يعطيها زخما فكريا وعلميا، والمأمول هو أن تتضافر الجهود بين الباحثين لمزيد من الدراسات والشروح من أجل تقريب النظرية من العلماء والباحثين والمهتمين في الداخل والخارج. من هنا نوجه النداء لكل الدارسين والعلماء المهتمين بالاطلاع على مشروع الإمام رحمه الله، ونحن متيقنون أنهم سيجدون ضالتهم فيه تعلما وفهما وتصحيحا لكثير من المغالطات والتصورات القاصرة.

ما هي أهم الاستنتاجات التي خلصت إليها؟

توصل البحث إلى مجموعة من الاستنتاجات نذكر بعضها على أن يراجع الباقي في الكتاب لمن ألهمته قضاياه، ومن ذلك:

– أن الجهاز المفهومي في نظرية المنهاج النبوي للإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، ينبني على القرآن الكريم ويتأسس عليه.

– أن الجهاز يتميز بالجدة والصرامة والدقة العلمية ويفتح باب التواصل مع المتلقي، وينفتح على كل النظريات والعلوم والمعارف القديمة والحديثة.

– أنه تدرج من المفاهيم الوسائل إلى المفاهيم الغايات، على أن هناك مفاهيم أخرى تدخل معها في تقاطع وارتباط كمفهوم التربية والعقل والقلب والوحي والولاية والقيادة، لتشكل في مجموعها شبكة متآلفة فيما أسميناه الجهاز المفهومي.

ومن تم تستحق نظرية المنهاج النبوي أن تحمل نعت التجديد بمنطلقيه الشرعي والعلمي، وأن صاحب النظرية رحمه الله يستحق أن يحمل اسم المجدد فهو المنظر والمربي والراعي، وبذلك يمكن أن نعتبر هذه النظرية مدرسة تجديدية تتجاوز حدود التنظير إلى الممارسة والتطبيق.

رحم الله الإمام عبد السلام ياسين وجزاه الله عنا وعن الأمة خير الجزاء، على اجتهاده وجهاده، ونفع بعلمه آمين، والحمد لله رب العالمين.

بطاقة تعريفية بالأستاذ الحسن السلاسي رحمه الله تعالى وأعلى مقامه:

الاسم: الحسن السلاسي.

من مواليد مدينة فاس سنة 1963.

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي (مادة اللغة العربية).

حاصل على شهادة التخرج من المركز التربوي الجهوي، شعبة اللغة العربية بفاس سنة 1991.

حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها – من كلية الآداب بفاس – سنة 1994.

حاصل على دبلوم المدرسة العليا للأساتذة، شعبة اللغة العربية بفاس سنة 1996.

مشارك في المؤتمر الأول لنظرية المنهاج النبوي بإسطنبول سنة 2012.