أولا- الحوار قيمة حضارية وحاجة إنسانية

تعد حقيقة التنوع والتعدد والاختلاف من أهم الحقائق الكونية الثابتة التي وجب استيعابها، فأي محاولة لإلغائها بدعوى المماهاة والمطابقة هو سعي عقيم لتبديل نواميس الله عز وجل وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ 1 .

ولم يكن الاختلاف والتنوع يوما ما سببا في حصول الصراعات والنزاعات، وإنما الأمر راجع بالأساس إلى العجز عن إقامة نسق مشترك يقوي قناة التواصل والتعارف والحوار، ويحاصر خيارات الإقصاء والتهميش والتعصب.

فالحوار باعتباره قيمة حضارية وحاجة إنسانية هو الكفيل بصناعة المشترك وبناء حياة مجتمعية سوية، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 2 .

كما أن الحوار لا يعني دعوة المغاير أو المختلف إلى الانسلاخ من هويته ومغادرة موقعه الثقافي والسياسي، وإلغاء موقفه وتغيير مبدئه، وإنما مقصده الأساس الوقوف على المشترك والانطلاق منه تعاونا وتضامنا خدمة للرسالة الإنسانية للفرد والمجتمع.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: ذلك أننا لنا دعوة نريد أن نبلغها للعالمين. وهي دعوة رفق لا عنف، وصدق لا نفاق، وترغيب لا ترهيب، واختيار لا إكراه. وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة) 3 .

ثانيا- قراءة التاريخ، رؤية للحاضر واستشراف للمستقبل

إن القراءة السليمة للتاريخ شرط ضروري لحوار الحاضر استشرافا للمستقبل، فلا يستقيم إحداث قطيعة مع التاريخ، بل ينبغي قراءة أحداثه ودروسه قراءة سليمة باعتباره أداة من أدوات التقويم والمراجعة والتطوير.

فلقد أثبتت أحداث التاريخ أن منطق المنازعة والمغالبة الذي ينتج التجاذبات الإيديولوجية ونوايا الإقصاء أو الاستئصال وحملات التشكيك والاتهامات الجزافية والشعارات العدائية والحسابات الضيقة، لا يمكن إلا أن يعطل مسار التغيير ويمكن للردة السلطوية.

إن الحوار حول قضايا الماضي بأدوات الحاضر وباستعداد نفسي منفتح، سيساهم لا محالة في وصل الحاضر بالتاريخ، تنمية للمشترك وتوسيعا لمساحات التوافق حول رؤية المستقبل.

طالع أيضا  الحوار المجتمعي وبناء الوعي

فلطالما استغلت أجهزة الأنظمة المستبدة العداء التاريخي المصطنع بين مكونات الوطن الواحد لتؤجج التطاحن والانقسام بينها، كي تضعف بعضها البعض ضمانا لاستمرارية مشروع الاستبداد.

لقد أضحى من آكد الأولويات الراهنة، السعي نحو المزيد من المبادرات الحوارية تقريبا للرؤى حول قضايا التغيير، الأمر يتطلب دفن كل أحقاد الماضي التي تغذيها دسائس الأنظمة المستبدة، التي تروج لأكذوبة استحالة التوافق والعمل المشترك بناء لمستقبل الحرية والكرامة والعدل.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: إن الأمة لا يمكن أن تواجه تحديات الحاضر والمستقبل إن لم تجمع ما فرقته عصور الخلاف. وإنما يمكن ذلك بنصب الجسور، والتعاون الفعلي في جهود البناء، لتكون نتائج البناء المشترك حافزا على توحيد النظرة بعد حين. لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق، ولا أن نيأس لما نراه خلفنا من أهوال تاريخية..).

إن وحدة الأمة إنما تـتاح بالرجوع إلى أصولها الثابتة بالكف عن تغذية ذكريات المآسي وشرحها إلا بمقدار ما تحصل العبرة. وإن الإغضاء الكريم عن فروع الخلاف ضروري ليتسنى لنا الحفاظ على ما يجمعنا) 4 .

ثالثـا- في الحاجة للفهم قبل التفاهم

إن المدخل الحقيقي لحوار سليم ومثمر هو الإحاطة العميقة بفكر الآخر وفهم تاريخه وحاضره وقيمه ومبادئه، عندها يتحقق الحوار من معرفتنا العميقة بالآخر والتعامل معه من خلال ذلك، وليس من خلال ما نريد أو نتوهم أو نتوقع.

نحن حريصون على حوار مع الفضلاء الديمقراطيين لو كان بعضهم يفرق بين التنابز في الصحف وبين الكلمة المسئولة، إن سوء التفاهم بيننا وبين بعضهم ناتج عن أننا نتكلم من مواقع مختلفة ومن مستويين اثنين، ومن يراد منه أن يبذل جهودا ليسمع ويتأمل ويقدر الحاضر والمستقبل منهمك في الحاضر لا يلوي على شيء) 5 .

فتصويب الأحكام المسبقة الخاطئة وتجاوز التناول التجزيئي لفكر الآخر، ضرورة أولية حتى لا يفضي الأمر إلى نتائج خاطئة تنسف جسور التفاهم بدل أن تبنيها.

طالع أيضا  شركاء في الوطن - مقدمات لتبديد الهواجس (2)

كما أنه لا يمكن أن يحصل التفاهم دون الاعتراف بالآخر، وتقدير مواقفه ومد جسور التواصل معه، دون محاكمة النوايا أو تأويل أفكاره ومصادرة أرائه وتقطيعها حسب المقاس، أو السقوط في رجع الصدى الفكري المفضي إلى المجاملة الفكرية، أو حوار الطرشان المنتج للتضليل المعرفي.

ولنا المثل الرفيع في سيرة قدوة المحاورين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اعترف بالآخر، وخاطبه وكاتبه وراسله، حيث تتوج حواره وتفاوضه صلى الله عليه وسلم بتحقيق العديد من المعاهدات حماية للمشترك الإنساني، وما وثيقة المدينة المنورة وصلح الحديبية وغيرها من المعاهدات إلا اعتراف بواقع الآخر وعدم إلغائه أو إقصائه. فضلا عن كونها تأسيس للقبول القانوني بكل التعدديات المجتمعية.

لا يفيد أن نرفض الحوار مع من يطلب الحوار، ولا أن نستعلي بالإيمان عن الجلوس إلى مناقشة، ولا أن نغتر بالحق الذي ندعو إليه إن عجزنا عن تبليغ حكمة الحق والبرهنة عليها) 6.

رابعا- حوار الحاضر بناء للمستقبل

إن عظمة أي فكر تكمن في مدى قدرته على الانفتاح والتواصل ومساهمته في ترسيخ ثقافة الحوار، فالفكر الذي يعيش الانغلاق والتقوقع على الذات، لن يستفيد من تطورات الوعي الإنساني.

ما نراه اليوم من حوارات تواصلية تقاربية بين فضلاء البلد بمختلف مشاربهم الفكرية، وحصول مراجعات مهمة في محددات العلاقة بينهم، سيقوي حتما مشروع الاصطفاف الشعبي دعما لمسار جبهة التغيير وتقويضا لمنظومة الشرعيات الزائفة للاستبداد والفساد.

لا شك أنه بمثل هذه المبادرات التواصلية، ستتبلور خطط عملية تروم تنزيل قيم الحوار وتوسيع دائرة المشترك، نحو بناء إرادة إنسانية حرة بنفس تشاركي، تضع في الاعتبار الأول حاضر الوطن، وتتوقع المستقبل وتستعد لكل احتمالاته وبدائله.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: حينئذ سينتهي السجال بين الإسلاميين اللائيكيين عندما يصل الجميع إلى الباب المسدود، ويفقد كل طرف المبرر السهل الذي كان يشهره حجة دامغة في وجه خصمه، ليلتقي الإسلامي الذي كان البارحة يصب اللعنة على الآخرين بمثقَّفِ المجتمع المدني في ورشة العمل، وليضطرا إلى التخلي عن أحكامهما الجاهزة، حتى تتضح القيمة الحقيقية لكل واحد منهما. نتمنى هذا اللقاء بكل صدق، ونعتبره نتيجة ضرورية للحركية التاريخية) 7 .

ويجزم رحمه الله بأنه من المغامرة أن يزعم زاعم أن مكونا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عددية وعُددية أن يحمل على كتفه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل) 8.

خاتمة

نختم بفقرة تمتع قارئها معنى ومبنى، من كتاب الإسلام والحداثة) للإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي تنبض كتبه حوارا قلبيا وإرادة صادقة لبناء مستقبل المشترك الإنساني: نَمُد لكم اليد، أيتها النفوس المتآخية في الإنسانية مهما كانت اعتقاداتكم ما دامت الرحمة الإنسانية والمحبة لبني البشر تنعش قلوبكم وأعمالكم. إننا وسنبقى دائما على استعداد، وكلنا عزم وثقة في رحمة الله عز وجل، لمد اليد إلى الرجال والنساء ذوي الإرادة الطيبة والاستعداد النبيل. سنبقى كذلك حتى نعقد ميثاق عدم الاعتداء على الإنسان وعلى كرامة الإنسان، ميثاق رفق شامل بالإنسان وبأمن الإنسان، ميثاق رفق فعال ونشيط وباذل. إننا كذلك حتى نقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان) 9.


[1] سورة هود الآية 118 – 119.\
[2] سورة الحجرات الآية 13.\
[3] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 214.\
[4] الخلافة والملك، ص: 52.\
[5] الإمام عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية، ص: 269.\
[6] الإمام عبد السلام ياسين، الإسلام والقومية العلمانية، ص: 129.\
[7] الإسلام والحداثة، ص: 327.\
[8] الإمام عبد السلام ياسين، العدل الإسلاميون والحكم، ص: 576.\
[9] الإسلام والحداثة، ص: 22.\