ككل عام يأتينا بالخير المرسل؛ يطرق أبوابنا بالفضل والجود والعطاء، دوحة للطاعات والقربات، وروضة للوصل والقرب والرقي والسلوك، إنه رمضان الفضيل والشهر الكريم، الذي يطرق أبوابنا بعد أيام، ليجدد فينا معاني الإيمان والقرب والإقبال.

تلكم المعاني العظام كان الصحب الكرام والصالحون من عباد الرحمن يستصحبونها معهم في كل أحيانهم وأحوالهم، ويستعدون شهورا وأياما للشهر الفضيل طلبا للزيادة من أنوارها وبركاتها وأفضالها؛ فعن أنس رضي الله عنه أنه قال: “كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظروا إلى هلال شهر شعبان أَكَبُّوا على المصاحف يقرؤونها، وأخرج المسلمون زكاة أموالهم ليتقوى بها الضعيف والمسكين على صيام شهر رمضان، ودعا الولاةُ أهْلَ السجن، فمن كان عليه حدّ أقاموه عليه وإلا خلوا سبيله، وانطلق التجار فقضوا ما عليهم وقبضوا ما لهم. حتى إذا نظروا إلى هلال رمضان اغتسلوا واعتكفوا”.

هذا حال السلف الصالح رضي الله عنهم في استقبال رمضان وتعظيمه، وهو التفرغ الكلي له بالاعتكاف وصدق التوجه. ذلك أنهم تمثلوا قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه ابن خزيمة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: “ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ ماذا يستقبلكم وتستقبلون؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله وحيٌ نزل؟ قال: لا. قال: عدو حضر؟ قال: لا. قال: فماذا؟ قال: إن الله يغفر في أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة، وأشار بيده إليها”.

إننا نحتاج لأن نتسلح بالنية ونحن نستقبل شهرا لا كالشهور؛ ففي الحديث “نية المؤمن خير من عمله”، لأن بالنية يتفاوت العباد عند الله تعالى. لذلك قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (يا حبذا صومُ الأكياس وفطرُهم كيف يغبنون صوم الحمقى).

إذا صحت النية واتقدت العزيمة احتاج العبد المؤمن إلى التوبة النصوح لتتم طهارته، ويُمْحَى اسمُه من قائمة المخلطين الذين يهدمون بناءهم وينقضون غزلهم. والتوبة الندم والحزن على التفريط، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. إذ الواجب أن نستقبل رمضان بتوبة تجديد العزم والنية أن يكون الشهر الكريم شهر وصال لا فراق بعده وشهر إقبال لا إدبار معه وشهر صلح لا خصام يليه.

طالع أيضا  ذ. الشيباني: لنواصل الإقبال على الله تعالى تحقيقا للمغفرة والتوبة وتطهيرا للقلوب

وهو شهر القرآن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فقد كان الصحابة والصالحون والتابعون يعلمون أنه شهر الاهتبال بالقرآن الكريم، فهذا قتادة يختم في كل سبع دائما وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة. وكان للشافعي ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان، وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يقل من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأَقْبَلَ على قراءة القرآن وتلاوته من المصحف)، وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادات وأقبل على قراءة القرآن).

وللصائم دعوة لا ترد فقد قال عليه السلام:” ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء. يقول الرب جل وعلا: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين”. فعلينا أن نغتنم هذه الفرصة للتوجه بالدعاء إلى الله تعالى، ونخصص وقت السحر للدعاء والتبتل والانكسار بين يدي المولى جل وعلا، وكذلك قبل الإفطار لنعرض حوائجنا وحوائج إخواننا وأحبتنا على المولى تعالى.

إنه شهر الفضل والخير والبركات يطرق الأبواب والقلوب ويدعونا إلى مائدته الملأى أياما معدودة، لا تلبث أن تبدأ لتنقضي.. فلنشمر على ساعد الجد.