تثير كثير من خطب الجمعة لغطا كبيرا بين صفوق المصلين أولا ثم بين ذوي الشأن وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، ومع كل هذا تعاد كثير من التساؤلات والقضايا إلى الواجهة من قبيل: أي وظيفة لخطبة أسبوعية؟ ولم هذا القصور البين في التوجيه والبيان؟ وأي دور للخطيب بل ومن يكون هو؟ ومن يرسم حدود الخطبة؟ أهي للتغيير أم هي إنشاء أدبي مفصح؟

وتتوالد هذه الأسئلة كلما أردنا أن نخصص قطرا أو منطقة أو جهة ما، أو فردا أو مجموعات بعينها. والإعراض عن طرح مثل هذه الأسئلة وعن الإجابة الصائبة عنها يطيل عمر واقع مؤسف تحولت فيه خطبة الجمعة إلى مجرد روتين بل “عبئا” في كثير من الأحيان، وطقسا جامدا لا روح فيه ولا حرارة إيمانية تشد هؤلاء الذين لبوا النداء، في ظل واقعٍ الأمةُ أحوج ما تكون فيه إلى من يوجهها ويأخذ بناصيتها إلى المعالي لترقى وتتألق، وأحوج ما تكون إلى من يكنس غبار ودَخَن قرون أظلمت له القلوب والعقول.

أي خطيب؟ ملاحظات…

ليست شعيرة الجمعة مجرد قراءة لأوراق جافة لدقائق معدودة تغدو مجرد انتقاء لكلمات وعبارات ثم ينصرف الجميع إلى أسبوع قابل، هذا قتل لروح الإيمان وتغييب للغاية من الاجتماع الذي شرعت من أجله. بل إنه لا معنى للخطبة إن لم يكن للخطيب حضور عملي بين الناس ومخالطة لهم ولهمومهم، إن لم يكن قريبا منهم يعرف تفاصيل معاناتهم وأفراحهم. فالخطيب لا يحلق بلغته الفصيحة بعيدا عن أفهام الناس من حوله، في سماء غير سمائهم وأرض غير أرضهم. الخطيب يسعى في الناس بالصلح والدفاع عن حقوقهم جميعا، ليكون اللقاء في الجمعة تتويجا وبناء واستخلاصا لما كان في الأسبوع مواساة وتعاونا وخطابا عمليا ليجلس الجميع يتبادلون الود والتقدير والولاء، وهم يعلمون أن موعظة الجمعة ليست إلا جمعا للقلوب على الله عز وجل ورسما لخطة عمل حياة المؤمن في أسبوع آخر، لا طقسا لإذلال العباد، وتثبيطا عن عزة الإسلام.

ليس الخطيب الذي يظهر كمَلَك أسبوعيا ليُوصل الخطاب مقلوبا: التدين الحقيقي أن تعيش بعيدا، وتتمرغ في قيم لا تستطيع الحياة بين جموع الناس، لا سلام ولا كلام مع المصلين وإن خطب الخطيب عقودا في ذاك المسجد الذي ترتاده، ليركب “سيره الفردي”  بعد قراءة الخطبة ويتسلق برجه العاجي من جديد. ولا أثر للقاء ولا فراق.

ليس الخطيب من يغرد بعيدا عن سرب المؤمنين، لا يلتفت إلى ما يفكرون فيه ولا ما يعانونه ولا وجهات نظرهم. ليس الخطيب من يأتمر بأوامر دون أن يعمل فيها شرع الله أولا ثم الحكمة العقلية ثانيا، لا كلمة له في العام ولا الخاص حتى يغدو السلام من صلاة الجمعة أحسن ما فيها، وهذا الحاصل للأسف. إنها صورة مشوهة.

ليس الخطيب من لا يتهمم بقضايا وطنه وأمته، وأولها قضية المسجد ودوره وروحانيته وقيمه في المدرسة والشارع والحكم والاقتصاد والسياسة. لتكن البداية من المسجد: تحريره من الأهواء والنزعات السلطوية الموالية لغير المؤمنين، العابثة بدين الله عز وجل. ما لهذا المسجد يضيق برواد تسعهم المقاهي والملاعب والمركبات السياحية؟ لم لا يفتح ليكون حضنا للأمة ينتشلها من وهدة الغفلة والبعد عن الله؟ أم تراه ينبغي أن يحكم من أطراف تريد له أن يعمل بمقدار موزون مدروس لا يجاوزه إلا لماما بتحكم مسبق؟

يكون الخطيب خطيبا إذا عايش هموم الناس، يكون الخطيب شاهدا بين الناس بالقسط والحق، يكون في طليعة المدافعين عن حقوق المظلومين والمضطهدين، يشخص الداء ويصف الدواء، ويضع نصب عينيه شريعة الله أولا وأخيرا، يكون صوته عنوان الحجة الواضحة الظاهرة التي تكون ملاذا للأفئدة الحائرة والعقول التائهة، لا يوغل في جراح المكلومين ليشيح بنظره عن رؤوس من امتصوا دماء العباد، وأفسدوا الحياة الإيمانية للمجتمع المسلم، وحرفوا دينهم، واسترهبوا ضعفاءهم.

تكون الخطبة خطبة إن هي لا مست هموم جيوب العباد، وقوتهم ومعاشهم اليومي، تحفظ الفطرة وتفضح المفسد مهما علت رتبته.

الخطبة رسم لخط سير إيماني أسبوعي يعيد تشكيل العقل المسلم وقلبه على غير ما تم إنتاجه وبان فشله وظهرت نتائجه. الخطبة روح وإيمان ينبض قبل أن تكون حروف هجاء وأساليب لغة يتفصح بها على مجتمع أمي جاهل.