A+ A- A

مؤشرات الوضع التعليمي بالمغرب (2/2)

بقلم: عبد الرحمان بن محمد العطار

2- جريمة التعليم الأولي في النظام التعليمي المغربي   نقف مع التعليم الأولي بحكم أنه مرحلة تمثل البداية الأولى لتعليم أطفالنا، وهي ذات أهمية كبرى بالنسبة لكل منظومة تربوية. وقد وقف الميثاق عند هذا التعليم، وأعلن هدفا محددا هو: "استفادة جميع أطفال البلد من هذا التعليم في أفق 2004" بل أدمجه في سلك أساسي مكون من أربع سنوات (سنتين من التعليم الأولي وسنتين من التعليم الابتدائي).

   تقول الوزارة في دليل الدخول المدرسي 2008-2009 في فقرة رصد واقع التعليم الأولي: "رغم التوجه الوطني بتعميم التعليم الأولي فإن عدد الممدرسين لا يعرف تزايدا كفيلا بتحقيق هذا التوجه في المدى المنظور، فقد تم تسجيل 669.365 طفلا خلال الموسم الدراسي 2008-2007 (31.031 منهم بالتعليم العمومي، و223.153 بالوسط القروي)"(1).

   ويبين الجدول أسفله نسب تطور التمدرس في التعليم الأولي بين سنة 1999 و2007 (2)

   أعداد التلاميذ الممدرسين:

   يبين الجدول تراجع نسبة التمدرس في التعليم الأولي بـ14% بين موسم 1999-2000 وموسم2006-2007، وإذا ما أخذت إحصائيات 2007-2008 فإن النسبة تصبح 18%.

   إن تعميم التعليم الأولي في تراجع، وأن هدف "استفادة جميع أطفال البلد من هذا التعليم في أفق 2004" في انتكاسة، وأن أفق تحقيقه بعيد جدا وفق هذه السياسة، بل يشير تقرير المجلس الأعلى في الصفحة 57 إلى أن فقط 10% من الأطفال المغاربة هم من يستفيدوا من برنامج تربوي عصري في التعليم الأولي.

   ورغم وعي السيد "مزيان بلفقيه" (مستشار ملك البلاد والمكلف بملف التعليم في السياسة الملكية) ومن معه بأهمية هذا التعليم، لم تستطع السياسة التي يوجهها أن تقدم شيء يذكر لفائدته، تقول اللجنة الوطنية للتربية والتكوين (يونيو2005): "لا حاجة لتأكيد أهمية التعليم الأولي، نظرا لتأثيره في النمو السيكو-معرفي للأطفال، وفي تحسين أدائهم المدرسي المستقبلي، وفي التقليص من فوارق التمدرس. تزداد ضرورة هذا النوع من التعليم بالنظر إلى تأثيره في محاربة الإخفاق المدرسي. هو الأمر الذي يسهم في التقليص من كلفة عملية التمدرس. وبالرغم من أهميته ومن التوصيات الملحة للميثاق بشأنه، يظل التعليم الأولي حلقة ضعف في حصيلة إصلاح نظام التربية والتكوين"(3).

   إن عدم تعميم تدريس التعليم الأولي، يولد صعوبة في تدريس الفئة التي لم تلج هذا النوع من التعليم بعد ولوجها للمدرسة الابتدائية، ذلك لأن البرامج والكتب المقررة في الابتدائي مبنية على أساس قاعدة أن التلاميذ قد تلقوا تعليما أوليا، الأمر الذي يشكل صعوبة عند المدرسين للملائمة بين مستوى البرامج وزمن التمدرس ومستوى التلاميذ غير الممدرسين في التعليم الأولي وكذلك بين هؤلاء وبين التلاميذ الذين تابعوا دراستهم بالتعليم الأولي.

   فإذا كان حوالي 90% من التلاميذ المغاربة لم يتلقوا تعليما أوليا مناسبا -حسب تقرير المجلس الأعلى للتعليم-، فإنهم لن يتمكنوا من مسايرة دروس السنة الأولى ابتدائي لأنهم ينطلقون في الدراسة وفق برامج وكتب غير مناسبة لمستواهم وفي ظروف تتجاوز إمكانياتهم العقلية، وتنتقل عدم مسايرة دروس بالتراكم إلى السنوات الموالية، ويولد ذلك لدى التلميذ شعورا بالإحباط الذي يتزايد مع مرور السنوات، ويصبح وجود التلميذ بالمدرسة عبء عليه، يتحمله فقط لتلبية رغبات الأسرة، حيث لا يحس فيها إلا بالإهانة لعدم تمكنه من فهم الدروس، ناهيك عن العنف الذي قد يتعرض له جراء ذلك.

   "ذنب ليس مسؤولا عنه"، ويبذل الطفل كل جهده لمحاولة التدارك، وعندما لا يتمكن يكون مضطرا لمغادرة هذه المدرسة "العذاب".

   إذن فمن الطبيعي أن يكون "من بين كل 100 تلميذ يلجون المدرسة 13 فقط منهم يحصلون على الباكالوريا، و10 من هؤلاء كرروا على الأقل سنة"(4)، ومن الطبيعي أن:

       - نجد تعثرات في المسار الدراسي لتلاميذنا، وبالتالي ارتفاع كلفة التمدرس،

       - نجد المغادرة المبكرة للمدرسة،

       - نجد ضعف مستوى اللغوي للتلاميذ بما فيها اللغة العربية (تقرير المجلس الأعلى للتعليم، ص: 40)،

       - نجد تدني للمستوى الدراسي،...

   ومن الطبيعي أن يصبح تحقيق تعميم التمدرس بالتعليم إلى حدود سن الخامسة عشر أمر صعب المنال، ومن الطبيعي أن يحتل المغرب المراتب الذيلية في تصنيفات الدول كما أقر به مستشار الملك المكلف بالسياسة التعليمية الذي قال: "وضعنا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في المرتبة 126 من أصل 177 بلدا على صعيد التنمية البشرية، والتعليم المدرسي هو سبب هذا التصنيف"(5).

   ومن المؤسف أن نجد نسبة كبيرة من التلاميذ تلج التعليم الإعدادي وهي لا تتقن الكتابة، إذ لا تستطيع أن تكتب جملة على مستوى واحد للسطر، فهي غالبا ما تنحرف هبوطا عن مستوى سطر الورقة.(6)

   تصل نسبة مهمة من التلاميذ إلى الإعدادي بهذا المستوى رغم أنهم قضوا ست سنوات من "الدراسة" واجتازوا امتحان الشهادة الابتدائية!!!!.، فأي مصداقية تعطى لهذه الامتحانات الإشهادية؟ وأي مصداقية تعطى لنسبة نجاح تقدر ب 89%.

   ومن الأكيد أن غياب التمدرس الأولي ليس هو المسؤول الوحيد عن هذا الوضع، وإنما هناك عوامل أخرى.

   فهل ينجح المخطط الاستعجالي لوزارة التربية والتعليم بجعل التعليم الأولي من أولوياته، وتطبيق القانون رقم 04.00 حول إلزامية التعليم من الحد من التبعات الخطيرة لعدم ولوج الأطفال للتعليم الأولي؟

   وهل ستنفع توجيهات ومشاريع المجلس الأعلى للتعليم النموذجية الرائدة، بتنسيقه مع مؤسسة محمد السادس من إيقاف هذا النزيف المميت؟

   أم ننتظر سنة 2015 التي يريدها المجلس الأعلى للتعليم أن تكون سنة استيعاب 50 % من أطفالنا البالغ عمرهم 4-5 سنوات؟ (تقرير المجلس الأعلى للتعليم، ص: 58).

   فرغم "التخطيط" ورغم الاستعجال ورغم الاستنفار، لا يبدو لهدف تعميم التعليم الأولي من أفق، حسب ما ورد.

--------------------------------------------

(1) دليل الدخول المدرسي 2008-2009 الملحق بالمذكرة 60 الصادرة بتاريخ 26 أبريل 2008 في موضوع الإعداد للدخول المدرسي 2008-2009.

(2) تقديم مشروع ميزانية 2008 أمام لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين الجمعة 14 دجنبر 2007 ص: 16.

(3) تقرير اللجنة الوطنية للتربية والتعليم، يونيو2005، ص: 20.

(4) مزيان بنفقيه: عن وكالة الأنباء أ.ف.ب، المغرب يحتل المرتبة الأخيرة بين دول المغرب العربي على صعيد التعليم، الاثنين 04 فبراير 2008.

(5) نفسه.

(6) معاينة مباشرة (من خلال الزيارات الصفية التي أنجزها في المؤسسات الإعدادية بحكم مهنة التفتيش التي أزاولها) خصوصا في المؤسسات التي تستقبل تلاميذ المدارس الموجودة في الوسط القروي.

تاريخ النشر: الإثنين 22 شتنبر/أيلول 2008