قضايا وآراء

  A+ A- A

بؤس التفكير لدى بعض النخب "الحداثية"

بقلم: بوزكري مهتدي

بعد الذي وقع في مصر من ردة سياسية واضحة قد تأتي على الأخضر واليابس، وانقلاب عسكري مفضوح شهد على ذلك العقلاء من بني البشر، كان ضحيته بالدرجة الأولى "التحول الديموقراطي" الذي ظلت تتعطشه له الشعوب العربية منذ زمن طويل، والتيار الإسلامي الذي أدى الثمن أكثر من غيره من خلال تعرض أنصاره وأتباعه للقتل والاعتقال والإقصاء الممنهج... بعد كل هذا، سارع من يسمون أنفسهم بالحداثيين وبعض الأكاديميين إلى القول بأن زمن التيار الإسلامي قد ولى إلى غير رجعة وأنه يعيش مراحل موته الأخير، بل إنهم بدأوا يضعون الاستراتيجيات والخطط يشرحون فيها مستقبل الحياة السياسية العربية ويعتقدون أن الانتخابات المقبلة سوف لن ينتصر فيها التيار الاسلامي وأن الغلبة ستكون للتيارات الحداثية، القومية واليسارية، باعتبارها تحمل مشروعا متكاملا يتجاوب مع طموحات وآمال الشعوب العربية، وأن تجربة حكم الإسلاميين، في ظل ثورات الربيع العربي، أبانت عن فشلهم وعدم قدرتهم على ممارسة السلطة وإدارة الحكم وبناء الدولة وترسيخ الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان.

بهذه المقدمات يخلصون إلى القول بأن زمن التيار الإسلامي سيتوارى وسيعرف تراجعا وأفولا وأن الزمن "الذهبي" سترسمه التيارات العلمانية والحداثية باعتبارها أكثر قدرة وخبرة في ممارسة السلطة وإدارة الحكم وتدبير الاقتصاد..

فالتاريخ يشهد على أن التيار الإسلامي قد دفع ثمنا باهظا في سبيل الحرية والكرامة والعدل وأن القمع سلط عليه أكثر من غيره من التيارات السياسية الأخرى، فقد قتلوا واعتقلوا وألقي بهم في غياهب السجون سنين طويلة. وإن من يقرأ تاريخ "جماعة الإخوان المسلمين" وعلاقتها بالسلطة الحاكمة في مصر، سواء في عهد عبد الناصر أو السادات أو مبارك المخلوع، سيجد أن مصيرهم كان هو القتل والاغتيالات والسجن والنفي..

لقد لقي التيار الإسلامي في جميع البلدان العربية القمعية، صنوفا من التضييق والإقصاء والاعتقالات التعسفية والسجن، من ذلك على سبيل ما عانته حركة النهضة بتونس في عهد بورقيبة وبنعلي الهارب، وجماعة العدل والإحسان بالمغرب وجبهة الإنقاذ بالجزائر والحركة الإسلامية بالأردن وسوريا والسودان. ورغم كل هذا التاريخ الحافل بالقمع والسجن والقتل، فإن التيار الإسلامي ظل محتسبا الأمر لله وحاضرا وحيا من خلال رموزه وقياداته وقواعده وأفكاره وتصوراته. ومع الانتفاضات العربية برز التيار الإسلامي على الساحة السياسية واحتل المراتب الأولى في الانتخابات النيابية والرئاسية متقدما على كل التيارات السياسية الأخرى، وهي الانتخابات التي شهد على نزاهتها وصدقيتها الجميع.

واهم من يظن ويعتقد أن ما يتعرض له اليوم التيار الإسلامي في مصر أو غيرها من الأقطار العربية من عسف وظلم وإقصاء ممنهج سوف يؤدي إلى تواريه ورجوعه إلى الخلف أو انكماشه.

إن التيار الإسلامي حاضر اليوم في المؤسسات والإدارات والقطاعات النقابية والجمعوية، وحاضر، وهذا هو المهم، في قلوب الملايين من الجماهير الشعبية وفي ضمير الأمة لأنه ببساطة ليس نبتة غريبة في جسم هذه الأمة.

إن التيار الإسلامي وما راكمه من خبرة تاريخية وسياسية في مواجهة أنظمة القمع والاستبداد ومع التيارات السياسية والفكرية المعادية له، سيظل رقما صعبا في كل المعادلات السياسية والاستراتيجية، بل إن هذه التيارات السياسية يجب أن تدرك أنه لا سبيل إلى الديمقرطية والتحرر من الاستبداد والظلم إلا بوجود التيار الاسلامي بكل رموزه وتياراته، وأن بناء الوطن وترسيخ قيم الديمقراطية وتحقيق التنمية يتطلب مشاركة كافة قواه الحية دون إقصاء أو تهميش.

تاريخ النشر: الخميس 26 شتنبر/أيلول 2013