القائمة البريدية

قضايا وآراء

  A+ A- A

الدرس المصري بعد الثورة المضادة.. إنه الإسلام أو الطوفان

بقلم: مبارك الموساوي

تذكير هام

لا يعتقد أحد أن هناك عبثا في كون الله عز وجل، فالأمر صائر إلى ما أراده، وقد حرم الظلم على نفسه سبحانه وجعله بين العباد حراما، لأن حصوله يحجب حركة الناس الجماعية والفردية عن الوعي بلحظات لقائها وتوافقها مع اتجاه حركة الكون والسنن المطلقة ومراد الله جل وعلا.

أهمية هذا التذكير تكمن في ما يلي: عند اللحظات المفصلية لحركة الإسلام قد لا يوفق العاملون للإسلام في سلوك الموقف المناسب، فتكون العناية الإلهية، لصدق هؤلاء العاملين، في حدوث ما يحرك الجميع في الاتجاه الصحيح؛ اتجاه موافقة إرادة الناس لإرادة الله عز وجل، للخروج من النفق، وقد يكون الانحراف الشامل أو الانهيار الكامل.

إن ما يجري اليوم في مصر ستتعلم منه الحركة الإسلامية أمورا هامة؛ منها: أن المستقبل المنظور يطلب بناء القوة المجتمعية المقتحمة على وضوح وعلم حتى لا نتخلف عن الموعد التاريخي ونضيع الفرص تلو الفرص؛ فقد ضيعنا وقتا لا يقدر بالجري وراء رموز الوهم والخراب طامعين في توبتها ورجوعها عن غي العبث بخيرات وقدرات الأمة وبحاضرها ومستقبلها.

الولادة الجديدة وحتمية العملية القيصرية

في مناسبات عديدة اعتمدنا عبارة "ما يسمى بالربيع العربي" بدلا من عبارة "الربيع العربي"، إشارة إلى أن ما عاشته بعض الدول العربية من إسقاط بعض رموز الأنظمة السياسية القائمة إنما هو أصغر خطوة في مسيرة بناء واقع الحرية الكاملة التي تتحقق فيها إرادة الاختيار الحر للأمة بعد تصفية كاملة لأجهزة المجتمع والدولة من عناصر الفساد والاستبداد والتخريب والتبعية وكنسها إلى مزبلة التاريخ.

وقلنا إنها مرحلة شبيهة بالولادة القيصرية التي تحتاج خبرة ودربة ودراية وإمكانات مهمة لتكون مكللة بالنجاح ولتتم من بعدها رعاية الوالدة والمولود رعاية صحية شاملة.

وقلنا إن من مقتضيات هذه الولادة حتمية الاصطفاف المجتمعي والسياسي على درجة كبيرة من الوضوح بحيث تكون عمليات التدافع المجتمعي والسياسي في إطار من المواقع المناسبة والأحجام الحقيقية والأدوار المعلومة والواعية الضامنُ فيها والمراقب الشعب الواعي والحر؛ فرفع كابوس الغموض عن حياة أمتنا أولوية دعوية وحركية وسياسية وأمنية بالغة التأثير، فنترك الشعب يُنزل كلا منزلته بعد أن يعرف قدره.

ولذلك سيبقى هذا الربيع ناقصا ما لم يأخذ الصفة الإسلامية ليكون ربيعا عربيا إسلاميا تكشف فيه كل القوى عن ماهية مرجعيتها. ومن ثمة تتحدد بشكل تلقائي علاقتها بمرجعية الأمة الإسلامية التي تحتوي على أقليات دينية لها حقوقها وعليها واجباتها ضمن الاختيار الكلي للأمة التي تعكسه بجلاء صناديق الاقتراع عند توفر شروط الاختيار الحر.

إن قدر الأمة أن تعيش قرونا طويلة تحت قبضة الاستبداد، ولذلك كانت لحظة الانتقال إلى الحرية عملية قيصرية يجب أن تكون فيها الرؤية واضحة تماما لدى قيادة التغيير في تغطية المراحل الثلاث: مرحلة المعارضة، مرحلة الانتقال والتصفية، مرحلة بناء مؤسسات التدبير الحرة (مرحلة دولة الثورة)، وهي مهمات كالجبال لا شك.

إن إسلامية الربيع العربي لا تعني احتكار هذا التنظيم الإسلامي أو ذاك لثمار حركة الشعب، لكن كل يقوم بالواجب عليه من موقعه، وهو إسلامي لكون السواد الأعظم من الأمة مسلم. ويوم يُوفق غير الإسلاميين لإقناع الشعوب بغير الإسلام سيبقى على الحركة الإسلامية أن تأخذ موقعها المناسب لحجمها دون عنف أو كراهية أو إكراه، لكن هذا غير ممكن لأن اختيار الإسلام كان طوعا لا كرها.

هنا أحيل بكل موضوعية على بناء المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، إذ كتب لهذه المراحل بغزارة وتفصيل لوعيه الحاد بأهمية الكفاءة في تدبيرها جاعلا لكل اجتهاداته شعاره الخالد: "الإسلام أو الطوفان".

والدرس المصري المصيري في هذا الباب، ونظرا لتداخل عوامل داخلية وخارجية، وبعد أن تكشفت المؤامرة الكبرى لإسقاط "حكم الإخوان"، هو التالي: إن الرهان على نوع تحالف، ولو كان حول إسقاط الاستبداد، مبني على درجة كبيرة من الغموض في الفكر والممارسة والأهداف لن يفضي إلا إلى التمزق عند أول منعرجات وعقبات بناء مراحل الثورة وتحقيق أهدافها، خاصة أن تجدر قوى الاستبداد والفساد عميق في بنية الدولة والمجتمع ومؤسساتهما، بل صار مشروعا له رجاله وإمكاناته وتحالفاته وعلاقاته الدولية وأهدافه الواضحة.

هنا نستحضر الحرص الشديد من طرف الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، حينما يلح إلحاحا حاسما على بناء العامل الذاتي الإسلامي من خلال رابطة إسلامية في كل قطر تقودها قيادة جماعية تحافظ ضمنها كل جماعة وكل تنظيم على استقلاليته التنظيمية بما يوفر الكفاءات اللازمة في كل مجال حتى تكون هذه الرابطة قائدة التحالفات وبناء المواثيق والعهود في إطار كبير من القوة والوضوح للاقتحام المواقع وتحريرها. وهنا ندرك الخطر والخطأ الكبيرين حينما نترك، فقط، حجم المعاناة والشدائد هو ما يقرب بين الإسلاميين أجسادا وتنظيمات وأفكارا واجتهادات.

إن الدرس المصري المصيري البليغ في الباب أن على الإسلاميين الوعي بواجب التقارب والتعارف والتفاهم والتعاون في لحظة الرخاء لبناء قوة إسلامية قادرة على حماية الأمة من الانزلاقات والانهيارات الحادة، خاصة إذا علمنا أن نهاية الأنظمة الاستبدادية والوراثية أمر حتمي وواقع مقضي دون أن تمنع هذه النهاية من صمود شرس لدى قيادة الثورة المضادة، وهي قيادة تتسم جملة بأخلاق فاسدة ونوايا حاقدة.

إن بناء المشروع الإسلامي التغييري بكل سواعد العاملين للإسلام واجب جهادي، وعلى ضوئه يخاطبون غيرهم ويؤسسون للعلاقات في كل المجالات والمستويات والمراحل. لنبحث عن العاملين للإسلام أولا ونؤسس لمحاور الرابطة التي ستكون لا شك قاعدة الميثاق والعهد مع الجميع.

فقد علمتنا تجربة السودان ثم الجزائر ثم تونس ثم اليمن ثم مصر أم الدنيا، وغيرها من التجارب، أن الاستكبار لن يقبل حكم الإسلام إلا إذا ضمن هذا الحكم كل مقومات البقاء والصمود، وأن عند أول كبوة في العلاقة مع الحكم وأنظمته تحصل الانتكاسة الكبرى...

وما ينبني اليوم على هذا: الانخراط الشامل في مساندة الشرعية في مصر ودعمها والدفاع عن المشروع الإسلامي الذي يتعرض ليس فقط إلى حملة قمع شرسة في مصر، لكن إلى محاولة إنهائه من حيث هو بديل عن المشاريع الفاشلة ومشاريع الاستبداد والفساد. ولنؤجل حديث الأخطاء والخلافات إلى حينه.

إنه على الحركة الإسلامية في العالم العربي أن تحتج على عدم احترام إرادة الشعب المصري من خلال صناديق الاقتراع الحر بالقدر نفسه وبالنفس نفسه الذي تحتج به على أنظمة الاستبداد والفساد؛ ذلك أن لهذا امتداداته في الحاضر والمستقبل، خاصة إذا علمنا أن المؤامرة شاملة وانتزاع قيادة الأمة بحريتها ليس هينا. ولا يعني الدفاع عن شرعية حقيقية نفسٌ إصلاحي، بل وقوف مع مبدأ الاختيار الحر لشعب ضحى كثيرا من أجل أن يختار نظامه السياسي.

اللحظة الثورية لا يمكن أن تكون إصلاحية

هناك فرق شاسع بين من وصل إلى سدة الحكم عبر ثورة عارمة وبين من وصلها عبر عملية إصلاحية ولو كانت كلية واستغرقت وقتا طويلا.

اللحظة الثورية لا تقبل إلا قرارات كبرى ثورية ذات عمق استراتيجي مصيري، واللحظة الإصلاحية لا تقبل إلا قرارات إصلاحية من حجم العملية الإصلاحية المنجزة.

ولذلك إذا اتخذ القرار الإصلاحي في سياق اللحظة الثورية فذلك الباب الكبير لهجوم الثورة المضادة، كما تبين أن التأسيس لنهضة الأمة الشاملة بتفكير إصلاحي جزئي إنما هو صناعة للوهم.

هذا زمن القومة الشاملة على وضوح وحِلم وعلم ورفق وقوة لا عنفا شاء من شاء وأبى من أبى. القومة عملية تاريخية تستدعيها المرحلة التاريخية والحاجة الإنسانية اليوم.

إنها واجب إنساني، ولذلك لا ينبغي السكوت على كسر شوكة المشروع الإسلامي في مصر اليوم في لحظة تاريخية تتميز بنهاية الأنظمة الاستبدادية والوراثية وبتآكل قبضة الاستكبار وانفضاحها وبدرجة كبيرة من الوعي الإيجابي والإرادي لدى شعوب الأمة.

من هنا ينبغي التأكيد على أن منطق التغيير الجذري في اللحظات الحاسمة لا يناسبه إلا القرار الثوري، وأن الانسياق وراء لحظة الضغط أو لحظة الإصلاح الجزئي لن يكون إلا انتكاسة في الحاضر أو المستقبل.

فما حدث في مصر كان ضروريا للانتقال بحركة الإسلام، خاصة في فهم ووعي وإرادة كثير من الإسلاميين، من مسار الصبر الإصلاحي بالمعنى السياسي إلى مسار الصبر والمصابرة على قاعدة التغيير الجذري الثوري الذي لا يضيع الفرص التاريخية عبر اتخاذ القرارات والمواقف المناسبة؛ فاللحظة الثورية تحتاج قرارات ثورية، والجمع بين الرحمة والقوة كمال تربوي حتى لا تصير الرحمة مهادنة والقوة عنفا، وهنا تتدخل الحكمة بين الرحمة والقوة فتصير الحركة العامة عطاء مستمرا وفعالية لا تقهر وأفقا استراتيجيا مصيريا واضحا على ضوئه تنسج العلاقات وتبنى المواقف وتتحدد المواقع، لذلك فالصبر في الميادين المصرية لن يقدم الخدمة الجليلة للشعب المصري فقط، بل سيجنب الأمة وباقي الأقطار انتكاسات بالغة في مسار تحقيق الحرية الكاملة، إذ سيغلق باب شهية الانقلاب على إرادة الأمة في كل مكان وشهية الانقضاض على مكاسب الحركة الإسلامية التي ضحت كثيرا ولو أن في بعض الأماكن مكاسبها لا ترقى إلى حجم تضحيتها.

فالله، جل وعلا، يجري على أيدي عباده من أقدراه ما هو عالم به وبغايته حتى يجمع سبحانه بين مراده وإرادة المجاهدين من عباده. وهنا يكون المعنى العظيم لنصرة الأخ ظالما أو مظلوما.

ستكون ولادة الحرية في مصر اليوم ولادة قيصرية نعم، لأن الثورة المضادة قامت بشراسة وتنسيق بين مكوناتها واستطاعت استقطاب عدد من خصوم المشروع الإسلامي، وهو ما يفرض درجة كبيرة من القوة في الموقف والحرص على السلمية التامة والصبر على التضحيات حتى إنجاز مهام المرحلة؛ وأهمها إعادة حركة الدولة والشعب إلى سكة المسار الحقيقي للحرية الحقيقية والكاملة.

لذلك ينبغي التأكيد على أن التغيير يجب أن يتم عبر قيادة تغييرية واضحة ومعلومة وليست افتراضية، قيادة لها تاريخها ورصيدها تكون صانعة الحدث والعالمة بمآلاته منخرطة بكل فتوة وسط الشباب المضحي لأجل أمته الواعي بوظيفته. وهنا نستحضر صمود الرئيس محمد مرسي وقيادات الحركة الإسلامية في مصر ومآلات هذا الموقف؛ فلو كان أدنى تنازل ما وصلت شعلة الثورة في مرحلتها الثانية إلى تغطية جميع محافظات مصر بعد التأكد من حقيقة الانقلاب.

لقد تعبت هذه الأمة من كثرة الكلام و"بروتوكولات" الهذر؛ والقصد والاقتصاد خصلة عظيمة من خصال الرجال، وحينما تنتصر الشرعية في مصر، وهي منتصرة مهما طال الزمن، ستفتح متسعا لباقي الأقطار في إعادة بناء كثير من المفاهيم والسلوكيات الدعوية والسياسية. وهنا، وبكل موضوعية، ستجد الحركة الإسلامية نفسها أمام حقيقة المشروع التجديدي للأستاذ المرشد والإمام المجدد، عبد السلام ياسين رحمه الله ورحم كل عالم عامل قدم خدمة لهذه الأمة لتخرج من ظلمات الظلم إلى نور الحرية والعدل، وساعتها سينفتح الإسلاميون على بعضهم بروح جديدة وإرادة جديدة وحياة جديدة.

إننا إذ نؤكد هذا، فإننا نؤكد أن الشعب المصري ليس في حاجة لدروس، لكن لأن الأستاذ المرشد اعتبر الأستاذ حسن البنا، رحمه الله، مجدد قرنه ووقف مع تجربته ثم انطلق مجددا لمشروع حركة الإسلام والأمة.

إن مصر اليوم تكشف للجميع أن إرادة الله جل وعلا أن يجعل ثورتها إسلامية خالصة بعد ما فعله الغموض في المرحلة الأولى وفتحه الباب واسعا للثورة المضادة. ولذلك ما بعده.

والله من وراء القصد وهو سبحانه يهدي سواء السبيل.

تاريخ النشر: الثلاثاء 23 يوليوز/تموز 2013