قضايا وآراء

  A+ A- A

مكاسب الإسلاميين من أزمة مصر

بقلم: رشدي بويبري

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهْ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسْ آل عمران: 139.

استعجل خصوم الإسلاميين، سواء السياسيين أو الايديولوجيين، داخل مصر وخارجها قطف ثمار الانقلاب العسكري المفضوح على الخيار الديمقراطي للشعب المصري. فظهرت كتابات وتصريحات هنا وهناك تنتشي بهزيمة الإسلاميين على يد العسكر وتستبشر بقرب أفول نجمهم وذهاب ريحهم، بل قدم الكثير منهم غطاء سياسيا وأخلاقيا للجرائم التي تلت الانقلاب على الشرعية الدستورية، حيث ذهب الغِلُّ ببعض المعتدلين منهم إلى حد المطالبة بعدم الحديث عن حقوق الإنسان في هذه المرحلة وتبرير إغلاق القنوات الفضائية الإسلامية بالضرورة التي تفرضها المرحلة ...إلخ. فهل تكتسي هذه التصريحات مصداقية واقعية أم تندرج في نطاق الحرب النفسية والتنفيس عن مكبوتٍ تراكم منذ انبثاق الربيع العربي وصعود نجم الإسلاميين؟ هل باتت القوى والحركات الإسلامية في خبرِ كانَ وهل ستندثر بعد الانقلاب في مصر أو تنكمش في غيرها من البلدان؟

تشير كل المعطيات التي تجمّعت بعد الإنقلاب العسكري على الشرعية الديمقراطية في مصر أن هذه معركة استراتيجية تمت بأدوات تكتيكية وبمساهمة تخطيطية وتدبيرية تتجاوز الخصوم المحليين للقوى الإسلامية المصرية إلى تحالف دولي وعربي. إذ لم يكن الانقلاب يستهدف وأد التجربة الديمقراطية الوليدة في هذا البلد فقط، بل قطع دابر الربيع العربي برُمّتِه وإرجاع الأوضاع في البلدان العربية إلى مرحلة ما قبل الانتفاضات الشعبية التي هزت أركان الاستبداد في مصر وغيرها وإعطاء جرعة كبيرة من الثقة للأنظمة العربية المستبدة التي ما تزال في سدة الحكم. وسيناريو هذه المعركة ليس جديدا في أهدافه ومراميه، بل حتى في بعض أدواته إذ تكرر في مرات كثيرة. فقد تعرض الإسلاميون منذ بداية القرن العشرين وإلى الآن لمحاولات استئصالية عديدة داخل مصر وغيرها. ويكفي أن نستحضر في هذا السياق التجربة الناصرية مع "الإخوان المسلمين" وكيف عمل النظام الناصري بكل جرأة وجبروت على استئصال الجماعة وقطع دابرها بكل الوسائل من قتل وتشريد وتجفيف للمنابع وغيرها. ثم جاء بعده زين العابدين بن علي ليعيد الكرة مع "حركة النهضة" فلم يَأْلُ جهدا في محاربتها بكل الطرق، بل أبدع أشكالا من القمع الجديدة والشديدة للتنكيل بنشطائها في ظل غطاء دولي ومحلي، بل بمباركته وتزكيته. ثم لا ننسى تجربة الانقلاب على جبهة الإنقاد في الجزائر وإدخال العسكر البلد في متاهات عشرية دموية، أدت إلى قتل قرابة ربع مليون جزائري بدعم ومباركة أنظمة عربية ودولية. كما لا يمكن إغفال التجارب الإنقلابية العسكرية في تركيا وإلغاؤها لنتائج الديمقراطية التي جاءت بالإسلاميين إلى الحكم. وأخيرا وليس آخرا نستحضر ما تعرضت له "جماعة العدل والإحسان" منذ تأسيسها من حرب شاملة من قبل النظام المغربي استهدفت مُؤسِّسَها رحمه الله وفكره وحركته ورموز الجماعة وأعضاءها رجالا ونساءً وأنشطتها ومؤسساتها، بل استخدمت في هذه الحرب القذرة أساليب غاية في الخسة كالتشويه الأخلاقي وتشميع البيوت وقطع الأرزاق.. فهل انقرض الإسلاميون من الوجود جَرّاء كل هذه الحروب؟ أم زادتهم هذه المَلاحِمُ تجذُّرا في الواقع وخبرة ومِراسا في المغالبة والمصانعة والتغلغل وإبداع الكثير من الأساليب التي تحميهم من بطش أعدائهم وخصومهم وتحقيق أهدافهم في توعية الشعب وتربيته؟

إن الحركات الإسلامية بمختلف مظاهرها التنظيمية هي حركات مجتمعية تجديدية متجذرة وسط شعوبها ويستحيل على أية قوة مهما توفر لها من إمكانات وغطاءات أن تستأصلها أو تتجاهل قوتها. قد يحصل أن تؤخر هذه المعارك تمكين الإسلاميين من حكم شعوبهم وتطبيق برامجهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنها قطعا لا توقف حركتهم بل تزيدهم قوة وخبرة وتماسكا وفهما للواقع وإدراكا عميقا لما يعتمل داخله من قوى وما يتحكم فيه من مصالح.

لا يمكن أن ننكر أن الانقلاب العسكري على الشرعية في مصر، وجّه ضربة مباشرة للتجربة الديمقراطية الوليدة في هذا البلد واستطاع، إلى حين، أن يزيح رئيسا إسلاميا منتخبا بطريقة حرة، وشفافة باعتراف العالم، كما أحدث رجّةً نفسية لدى عموم المسلمين، لكن حين نتأمل بعين مستبصرة الأزمة التي أحدثها هذا الانقلاب نستنج بما لا يدع مجالا للمماراة أن الإسلاميين، في عمومهم، هم الذين حققوا لحد الآن مكاسب استراتيجية من هذه الجولة عكس المكاسب التكتيكية للانقلابيين. وتتحدد أبرز هذه المكاسب في ثلاثة هي:

1- انكشاف القناع عن الانقلاب العسكري وظهوره بوجهه الحقيقي: فقد أراد المخططون في الغرف المظلمة أن يكون هذا الانقلاب سريعا وحاسما وأن ينشئ واقعا جديدا يحوز على اعتراف محلي وعربي ودولي لتغطيته ودعم إجراءاته، من خلال سيناريو مُحكم أعد له على مَهَلٍ وساهمت في إخراجه وتسويقه جهات متعددة، دينية (إمام الأزهر وبابا الكنيسة القبطية) وسياسية (جبهة الإنقاذ وحزب النور السلفي وحزب مصر القوية لعبد المنعم أبو الفتوح وغيرها...) وشبابية (حركة 6 أبريل وبعض الفئات الشبابية..) ثم إعلامية (ما صار يصطلح عليه بإعلام الفلول، فضلا عن الإعلام الرسمي السابق) كما رصدت لهذا المخطط اعتمادات مالية هائلة مصدرها رموز النظام الفاسد وبعض الدول العربية المتواطئة. كما أريد لهذا الانقلاب أن يُظهِر العسكر في صورة المُنْقِذِ للشعب والديموقراطية والثورة من تَغوُّل الإسلاميين الإرهابيين الذين انقلبوا على الحريات وفشلوا في الاستجابة لطموحات المواطن وآماله. لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، فبعد أسبوع من الانقلاب على الشرعية الديموقراطية في مصر لم يحصد العسكر، ومَن وراءَهم ومَن تآمر معهم، إلا الفشل الاستراتيجي. فقد أصبح العالم كله يتحدث عن انقلاب عسكري أطاح بالديموقراطية في مصر، وانكشفت تفاصيل السيناريو وغاياته ومصدره وممولوه بسرعة وفشل الإخراج السياسي البليد الذي تم به، مما أفقد العسكر المبادرة وجعلهم يلجؤون إلى اعتماد أسلوبهم المفضل، القتل والاعتقال ومصادرة الحقوق والحريات. وبهذا الفشل الذريع احترقت ورقة مهمة عَوَّل عليها خصوم الاسلاميين كثيرا في إكمال سيناريو الانقلاب وتعميم نتائجه من خلال نعت الاسلاميين جميعا بالفشل ومعاداة الديمقراطية والشرعية الدستورية. كما أن هذا الانقلاب أنشأ واقعا استثنائيا لم يستطع رغم كل الجهود والدعم أن يحوز على اعتراف لائق، محليا أو دوليا، لشرعيته ودوام هذا الاستثناء مُحال في ظل ضغط شعبي متنام داخل الشارع وفي أروقة المنظمات الدولية خاصة الحقوقية منها.

2- سقوط ورقة التوت الأخيرة عن سوءة كثير من أدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان، سواء من السياسيين أو المفكرين أو الإعلاميين، الذين أيّدوا الانقلاب ووفّروا له غطاء سياسيا وأخلاقيا، من داخل مصر وخارجها. فقد كان هؤلاء يزايدون على الإسلاميين ويتهمونهم بمعاداة الديمقراطية ورفض نتائجها، بل شكلوا صورة نمطية لادعائهم هذا وعملوا على تسويقها لدى الرأي العام العالمي والمحلي بكل الوسائل والجهود، فإذا بهم وبكل صَلَفٍ هم من ينقلب ضد الديمقراطية ونتائجها وهم من يؤيد انتهاك الحقوق والحريات بدعوى الضرورة، بل ذهب بهم الأمر إلى حد إبداع مفاهيم جديدة وغريبة عن الشرعية والديمقراطية لتبرير انقلابهم ثم التنكر لها في نفس الوقت، مثل حديثهم عن شرعية الشارع، قبيل وأثناء الانقلاب، ثم رفضهم لها حين خرجت الملايين من أنصار الشرعية الديمقراطية للمطالبة برجوعها. فهؤلاء، وخاصة من ينتسب إلى الوطنية منهم مدعوون على عجل إلى التبرؤ من الانقلاب وتبعاته والاحتكام إلى القواعد الديمقراطية المتعارف عليها عالميا والرضى بنتائجها سواء كانت لصالحهم أو لصالح خصومهم إذ الأهم هو أن تكون في صالح الوطن والشعب.

3- بروز الإسلاميين كقوة سياسية ومجتمعية متجذرة في واقعها وقادرة على الحشد الطبيعي وسط المجتمع وتحريك الملايين لنصرة مواقفها وقضاياها، ومدافعةً، على الديمقراطية والحرية عكس خصومها. يضاف إلى ذلك تزايد الاقتناع بمظلوميتهم وسط فئات واسعة من الشعوب العربية وبأن الحرب ضدهم، هي حرب استبداد وفساد يستجمع قواه للانقلاب على ربيع الحريات والديمقراطية والرجوع إلى التحكم في الرقاب وتلبية شهوته النَّهِمَةِ في القهر والتسلط والفساد.

إن حديثنا عن مكاسب الإسلاميين من هذه الأزمة ليس على سبيل تسلية النفوس المكلومة أو استثمارا لجراح الشعب المصري الشقيق، بل هو إقرار بحقائق واقعية، لها شواهد كثيرة، يعمل الإعلام المُضَلِّل المُتاجر بحقوق الشعوب على طمسها والترويج لنقيضها من خلال حملة دعائية مستعرة يُوظّف فيها كل الأساليب، حتى المنحطة منها، علّه يحظى بيأس أصحاب القضية أو انفضاض الصادقين عنهم.

لقد زودت هذه المعركة الدموية المفتوحة على الثورة في مصر الإسلاميين بنقط قوة مهمة، ومكّنتهم من مواقع جديدة يجب أن يدركوها ويحسنوا استخدامها، لاستعادة المبادرة من خصومهم وإظهار وطنيتهم الخالصة والدفع بتأسيس شراكة وطنية حقيقية على أسس صحيحة مع المخلصين من أبناء الوطن، قصد انتزاع الحرية والكرامة والعدل لفائدة شعوبهم والحفاظ عليها من أن تغتصب. وهذا بإذن الله تعالى كفيل بإفشال مخططات الأعداء ودسائس الخصوم الذين يستهدفون استقلال الأوطان ومقدرات الشعوب أكثر من استهداف الإسلاميين في ذاتهم.

تاريخ النشر: الجمعة 12 يوليوز/تموز 2013