العدل والإحسان

  A+ A- A

الوضع المغربي في سياق الربيع العربي

بقلم: الأستاذ فتح الله أرسلان

في عدد 51-52 الأخير لمجلة نوافذ الثقافية الفصلية، أنجز الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، بحثا تحليليا عن الحراك الذي عرفه المغرب في ضوء الربيع العربي عنوانه "الوضع المغربي في سياق الربيع العربي"، مصحوبا بمجموعة من الملاحق التي تحيل على أوراق سياسية رسمية سبق وأن أصدرتها مؤسسات الجماعة.

فيما يلي نص الدراسة، مع الإحالة إلى الملاحق:


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شكل ما أصبح يسمى بالربيع العربي فرصة تاريخية هامة للتخلص من بعض أنظمة الاستبداد، وينبغي التعامل معه على أنه بداية جديدة ومحطة مهمة في تاريخ الأمة تعيد صياغة الوجدان والعقل والسلوك وفق قيم ومعايير جديدة. انطلاقا من هذا الفهم فالقضية أكبر من إسقاط ديكتاتوريات آيلة للسقوط أصلا، بل هي قضية إعادة بناء شاملة وفق رؤية متكاملة تستهدف تحرير الفرد والمجتمع وتعيد الحياة والفاعلية للأمة بعدما سلبهما منها الاستبداد القروني. لهذا فليس من المستغرب أن نجد مجموعة من المشاريع الفكرية والبدائل الاجتماعية تتنافس على قيادة هذه اللحظة التاريخية، منها الإسلامي والليبرالي والعلماني واليساري، وداخل كل مشروع هناك قراءات ومقاربات معتدلة وأخرى متطرفة وأخرى تجزيئية.

أحاول هنا إثارة إشارات مقتضبة لمنطلقاتنا الفكرية في فهم هذا الربيع المزهر المثمر بإذن الله، وإشارات إلى رؤيتنا للوضع المغربي.

ومن خلال تشخيص دقيق لواقع المسلمين يتفق الجميع على اختلاف مشاربهم أننا كلنا في الاستبداد والتبعية والفقر والتخلف سواء، مع حضور خصوصيات قليلة مرتبطة ببنية المجتمعات والأنماط السياسية الحاكمة، لكن المؤكد الآن أن الأمة تعيش اليوم مأزقا تاريخيا؛ تلتقي فيه الأزمة السياسية بالاختناق الاقتصادي بالاحتقان الاجتماعي بالتبعية الثقافية بالفوضى الأخلاقية تحت مظلة ورعاية الفساد والاستبداد. والربط في الرؤية والفهم والتحليل والتشخيص والوصف بين الأزمة التي تعيشها أمتنا اليوم وبين الأسس التي قامت عليها من أول يوم نراه ضروريا لتكون رؤيتنا صحيحة وفهمنا وتحليلنا وتشخيصنا ووصفنا سليما وغايتنا واضحة. لكن محاولات الفهم والتحليل والتشخيص في اعتقادنا تكون قاصرة إن ضللنا عن الأدوات المناسبة لهذه المهمة والتي أمدنا بها الوحي (قرآنا وسنة) باعتبارها الأدوات الأنجع القادرة على حل لغز الأعطاب التي أصابت الأمة.

إن مرجعيتنا الإسلامية تمكننا من رؤية وقراءة وتشخيص أصل الداء المزمن وتدلنا على وصفة الدواء التي افتقدها أبناء الأمة في بحثهم عن الخلاص شرقا وغربا في هذا العصر. إن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما ستعرفه الأمة بعده كان غيبا ومستقبلا آمن به الصحابة إيمانهم بالغيب الذي هو شرط من شروط الإيمان، ونؤمن به نحن كما آمنوا هم ونعيشه شهادة ونراه ماثلا أمامنا ونكابده واقعا لا يكذبه سوى العميان.

مكمن الداء وهدف التغيير؟

لن نتساءل هنا عما حدث حتى أصبح بيننا وبين أصول ومقاصد الوحي كل هذا البون الشاسع وهذه المسافة التي نجد عنتا ومشقة في قطعها عودة إلى التكليف الشرعي لأمة الإسلام بالقيام بالقسط والعدل والرحمة، ولن نتساءل عما حدث حتى انقلبنا من خير أمة أخرجت للناس، العدل والشورى أساس الحكم فيها، إلى أمة ممزقة أنَّتْ تحت وطأة الملك العاض فالجبري كما نَبّأَنا بذلك من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم... بل نكتفي، لضيق المجال، باستقراء التشخيص النبوي لما أصاب الأمة والوصفة النبوية للعلاج من خلال ثلاثة أحاديث نبوية صحيحة نستند عليها في هذا الشأن، وللتوسع أكثر أحيل على كثير من كتابات مسؤولي جماعة العدل والإحسان وأخص بالذكر كتاب "نظرات في الفقه والتاريخ" لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين.

الحديث الأول

روى الإمام أحمد بسنده الحسن عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لينقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها. وأولهن نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة" .

تشخيص دقيق يوضح ما أصاب عرى هذا الدين العظيم ومنها عروة الحكم وعروة الصلاة.

فأما نقض الحكم فهو الانكسار بل الكسر العظيم الذي أصاب الأمة في بدايتها حيث تحولت الخلافة القائمة على العدل والشورى إلى ملك وراثي عاض قائم على الظلم والاستبداد والاستئثار والاستفراد بالحكم وبالثروة. وأما نقض الصلاة فهو أوضح بغياب إقامة الصلاة كما أمر الله تعالى أن تقام في بيوت الله التي أممها الاستبداد، ومنع ذكر الله فيها، وجعل لإقامتها أوقاتا للدخول والخروج، وتابع كل شاب صلى الفجر كما فعل الطاغية بنعلي.

وما بين الاستبداد في الحكم، وهو شأن عام تقوم عليه مصلحة الأمة في ذاتها وفي علاقتها بغيرها من الأمم، ونقض الصلاة، وهي شأن عظيم تقوم عليه هوية هذه الأمة وتجتمع لإقامته وإحيائه خمس مرات في اليوم وضيقه الحكام حتى صار شأنا فرديا خاصا لا يرون له مكانا مناسبا، إن رأوا، إلا في زوايا البيوت. ما بين هاتين العروتين عُرًى نقضها الملك العاض والملك الجبري على مدى تاريخ هذه الأمة في كل مجالات الحياة.

الحديث الثاني

عن ثوبان مولى رسول الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن". فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت" (رواه أبو داوود).

حديث نبوي شريف يصور الأمة قصعة تنفتح لها شهية الأكَلَة المحيطين بها، ويشبه كثرة الأمة بغثاء السيل الذي لا نفع فيه، ويشخص الداء الذي لم تنفع معه الكثرة: الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

وإذا تصفحنا تاريخ أمتنا نجد أن الخط البياني لتداعي الأمم علينا يتصاعد مع تصاعد الإقبال على الدنيا والهروب من الموت.

وعشنا ونعيش ورأينا ونرى كيف تتحرر أمتنا وتستعيد حريتها وكرامتها وقرارها وزمامها حين بدأت تتعافى من داء الوهن وخرج الشباب إلى الشوارع والساحات يعرضون صدورهم للرصاص فداء للعدل والحرية والكرامة.

الحديث الثالث

روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُون، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله ُأَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيّاً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ سَكَتَ" .

وفي هذا الحديث العظيم يستعرض النبي صلى الله عليه وسلم تاريخ الأمة الذي كان آنئذ في ضمير الغيب، ونلمس مدى التطابق الكامل بين ما نبأنا به من لا ينطق عن الهوى وبين ما حصل على الأرض فعلا إلى حدود الملك الجبري الذي نشهد في أيامنا هذه تصدع أركانه. في هذا الحديث العظيم نبأ ما كان غيبا وصدقته الأيام، وفيه وعد بالخلاص من الملك العاض والجبري، وفيه بشارة بعودة الخلافة على منهاج النبوة؛ منهاج الشورى والعدل والإحسان. نبأ ووعد وبشارة إن تغاضى عنها البعض لرفضهم أصلها الغيبي فإن تطابقها مع الواقع المشهود حجة عليه.

نحن أمام ثلاثة أحاديث ترسم المعالم الكبرى لتصورنا لقضية التغيير الممتد في الزمان ويستهدف غايات كبرى:

1. تحرير الإنسان

2. تحرير الأمة

3. إسعاد البشرية جمعاء.

فالحديث الأول يربط بين نقض الحكم ولبُّه العدل والشورى، وبين نقض إقامة الصلاة وهي عماد الدين. والحديث الثاني يجعل حب الدنيا وكراهية الموت، وهما معنيان محل تأججهما القلب، سببا في وهن الأمة وضياع هيبتها إزاء الأمم المتداعية عليها في الأرض. والحديث الثالث يفتح أمامنا فرصة لنرشح أنفسنا لنكون فيمن يختارهم القدر لصناعة الخلافة الثانية على منهاج النبوة الجامع بين ما يهم الأمة في دنياها وآخرتها.

هذا الرباط المتين الذي يربط في منهاج النبوة بين الدنيا والآخرة، بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، بين صلاح القلب وهيبة الأمة، بين إقامة الصلاة وإقامة العدل... هذا الربط هو ما افتقدته الأمة على مدى تاريخ العض والجبر فيها.

ولابد من الإشارة أولا إلى أننا، ونحن إذ نصر على التمسك بالموعود الصادق الوارد في هذه الأحاديث الشريفة، إنما نفعله انطلاقا مما يفرضه علينا إيماننا بالغيب الذي لا إيمان إلا به. وقد يسعى البعض إلى محاولة اتهام الإسلاميين بالماضوية والرجعية على أساس أننا نريدها خلافة على النمط والشكل الذي ناسب بداية الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين. ولكن نحن نقول أننا نقصد معناها أي أن يسري روح العدل والشورى بأي شكل من أشكال الأنظمة التي تطورت خلال التاريخ الإنساني الحديث، وأن يكون الإنسان ومصير الإنسان وعلاقته بربه محور كل ذلك، وإن ما يقع الآن من تحولات ليس إلا خطوات أولى على هذا الطريق.

ندقق في هذه المعاني حتى يتوفر واحد من أهم شروط الإقلاع نحو التغيير الحقيقي وهو الوضوح؛ فقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ما بعد الخلافة الراشدة ملكا عاضا وجبريا، وسماه المؤرخون خلافة، وانتقضت عرى الإسلام على مدى الملك العاض والجبري عروة عروة، وهذا الانتقاض للعرى عروة عروة يشير إلى الانحطاط من درك إلى درك مع كل عروة تنتقض، مهما كان ظاهر الأمة يوحي في بعض المحطات في بعض الجوانب بالعكس.

ولن نكون منطقيين مع أنفسنا ولا مع مرجعيتنا ولا مع منطلقنا في التحليل والتشخيص والوصف إذا لم نسم الأنظمة التي حكمتنا بالأمس وتحكمنا اليوم بما سماها به المعصوم صلى الله عليه وسلم: ملكا عاضا وجبريا، أما الاستثناءات المشرقة التي عرفها تاريخ الأمة إنما تؤكد القاعدة ولا تلغيها.

وليس من يحكمنا اليوم سوى دكتاتوريات مستبدة وإن تغيرت نعوتها بين الجمهوريات والملكيات والإمارات، ومهما تحايلت في تغليف استبدادها بما تستعيره من أقنعة الديمقراطية وبما تلوكه من مفردات قاموسها وبما تبثه من صورها على الشاشات ويفضحها الظلم والفساد المستشري في كل ركن من أركانها.

إننا حين نسمي ملكا جبريا استبداديا بغير اسمه، أو حين نذهب في تزكيته إلى الدرجة التي نضفي صفات وألقاب دينية شريفة على حكام متسلطين ونعتبر ألا إمكانية لاستقرار البلد إلا تحت مظلتهم وسلطانهم، أو حين نتهم الشعوب ونأخذها بذنوب حكامها المستبدين... حين نفعل هذا نكون نسير في الاتجاه المعاكس لما يفرضه علينا الشرع والحكمة والمنطق والتجربة والمصلحة الآنية والمستقبلية، ونكون كمن خرق السفينة من موضعه فتسبب بوعي أو بغير وعي في غرق الجميع.

السؤال الجوهري هنا: هل نعمل في اتجاه إصلاح هذه الأنظمة المستبدة بإنتاج أنظمة معدلة تكون أقل استبدادا، بما يعني الانخراط في متاهة دواليبها ودهاليزها المتشعبة الملتوية طمعا في الإصلاح أو التغيير من الداخل مما يمد في عمرها؟ أم نعمل في اتجاه نقض هذا البناء من الأساس بما يتطلب من جهود أكبر ووقت أطول ومكابدة أشق؟ الشيء الذي سيتطلب مدى من الزمان غير يسير من أجل تحقيقها، وسيكون هذا المدى طبيعيا إن جردناه عن الطموحات الشخصية التي تستعجل قطف الثمار قبل نضجها، خصوصا إذا استحضرنا أن الأمة عاشت قرونا من الاستبداد.

وإيمانا منا أن ثقل وتعقيد ميراث الانحطاط لا يستطيع طرف واحد، مهما كانت قوته الجماهيرية وحجمه السياسي، أن يتصدى لمعالجته، فإننا نرى أن التغيير المنشود لا يمكن أن يكون إلا بأيدي كل المكونات العاملة في الميدان بكل اتجاهاتها. ولهذا دعونا منذ انطلاق مشروعنا قبل أزيد من ثلاثة عقود إلى أرضية مشتركة للحوار والتعاون في هذا الاتجاه.

وقد دعونا في كتاباتنا، خاصة الكتب الحوارية للأستاذ عبد السلام ياسين، وتصريحاتنا ووثائقنا في محطات كثيرة إلى الحوار واللقاء على أرضية مشتركة لمجابهة الاستبداد ولبناء مشروع يكون أفقه نظام عادل يكون للكل فيه الحق في المساهمة في بناء البلد بما يضمن مصلحة الشعب أولا وآخرا.

وعلى الرغم من الصمت المريب الذي كانت تجده دعوتنا من الفرقاء العاملين في الميدان، لم نتوان عن الإلحاح في كل مرة على ضرورة اللقاء على أرضية للحوار وميثاق للتعاون بدل هذا التشتت الذي لا يستفيد منه غير الاستبداد[1].

كما انخرطت جماعة العدل والإحسان في كل المبادرات السياسية التي ظهرت فيها الحاجة إلى التعاون والتنسيق بين المكونات السياسية والجمعوية التي بدت فيها مصلحة الوطن والأمة جلية، حيث كانت الجماعة تنزل بثقلها في المسيرات المليونية مذيبة شعاراتها الخاصة فيما يجمع عليه كل الشركاء. وعشنا خلال السنة الماضية مناسبة أخرى لاختبار صدقية استعداد كل الأطراف للعمل مع باقي المكونات السياسية والمجتمعية في ائتلاف واحد يتنازل فيه كل طرف عن خصوصياته التنظيمية ولافتاته الإيديولوجية.

الربيع المغربي: فصل في عنفوان المجتمع وأفول الاستبداد

التقى استبداد الأنظمة العربية، ومنها النظام المغربي، واحتكارها للسلطة والثروة والإعلام وهيمنتها على ما فوق الأرض وما تحت الأرض، من ناحية، مع التذمر غير المسبوق لشعوبها المقهورة من ناحية ثانية، عند ذروة التطور الهائل لوسائل الاتصال ولسرعتها الضوئية التي خرقت الحواجز الإعلامية التقليدية البطيئة التي طالما احتكرتها هذه الأنظمة الهرمة، والتي لم تستطع مجاراة حيوية شباب تمرس على الوسيط الإعلامي الجديد في غفلة عن أعين الرقباء المنتشرين كالفطر في كل ركن... التقى كل هذا بشرارة مستصغرة هيأها القدر الإلهي في مدينة صغيرة مهمشة بيد شاب مهمش كانت أسرع في هشيم أنظمتنا المستبدة منها إلى جسده المحترق رحمه الله وغفر لنا وله.

كانت كل العناصر الضرورية لاحتراق أوراق هذه الأنظمة الظالمة حاضرة، ولم يكن ينقص سوى شرارة البوعزيزي في أية رقعة من هذه الرقع العربية الممزقة. وقد دأب الشعب المغربي على الخروج إلى التظاهر ردحا من الزمن، ولكن اشتعال الثورة في تونس أجج حركة الشارع وأعطاها بعدا جديدا كانت سمته الرئيسية تكتل فئات ذات توجهات وعناوين سياسية مختلفة في حركة احتجاجية واحدة تحت شعار: "إسقاط الفساد والاستبداد" .

التاريخ والوثائق تشهد على سبق جماعة العدل والإحسان إلى الاستجابة لنداء هذه الحركة منذ أول يوم واشترطت لذلك أن تكون الحركة "جدية وسلمية"، وهكذا انخرط شباب الجماعة في حركة 20 فبراير على مدى 10 أشهر بقوة وكثافة وجدية وسلمية ومسؤولية ونكران ذات شهد به الخصم قبل الصديق، إيمانا منا بما سطرناه في مشروعنا وأعلناه في خطابنا السياسي ومارسناه بمسؤولية في الميدان ورآه الناس منا سلوكا من أنه لا يمكن تحقيق أي مصلحة لهذا الشعب بغير عقلية المشاركة التي لا تقصي أحدا.

من ناحية الخطوط العامة، الوضع المغربي ليست له أية خصوصية أو استثناء يميزه عن الأوضاع في باقي الدول العربية، سواء منها ما أفضى فيه الاحتجاج إلى إسقاط النظام أو ما يسير فيها الأمر إلى هذه الغاية. ذلك أن روح الاستبداد واحدة وتستند في المجمل على ركيزتين أساسيتين هما:

أولا: التسلط والهيمنة على كل جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، والبطش الشديد وقمع أي بادرة للانعتاق.

ثانيا: احتكار السلطة استنادا على "شرعية دينية" مما يجعل من أية معارضة للحكم خروجا عن جماعة المسلمين، وأية مطالبة بالحق فتنة يستحق صاحبها القصاص.

ويكاد هذان العنصران يمثلان جوهر ما تعتمد عليه الأنظمة المستبدة في الدول العربية.

وبناء على هذين العنصرين قدرنا صعوبات الحراك المغربي بخلاف الحراك في تونس ومصر وغيرهما، باستحضار أن النظام المغربي استطاع على مدى قرون، أن يؤسس علاقته بـــ"الرعية" على وصاية سياسية ودينية لا تفاعل فيها، بل فيها الفعل في اتجاه واحد من الحاكم إلى المحكوم، حتى ترسخ في الأذهان أن المخزن قدر لا مفر له منه فحسب، بل لا سبيل للعيش خارج ظل سلطته، لدرجة أصبح البعض يرى أن أقدمية هذا الاستبداد تعطيه الشرعية للاستمرار إلى الأبد، وترسخ لدى السلطة الحاكمة أنه لا يمكن تصور تخليها عن هذه السلطة مهما كلفها من ثمن. لكن الربيع العربي زعزع هذه المسلمة، وكان خروجنا إلى الشارع حلقة أخرى ضمن حلقات مواجهتنا للاستبداد، وانسجمت طبيعة الأهداف التي حملتها الحركة مع جانب من أهدافنا، وتطابق أسلوب الحركة في الاحتجاج السلمي مع أسلوبنا في التغيير مما ميز الحراك المغربي بـ:

1- السلمية

ومعلوم أن من أساليب المخزن التي اعتمدها في تعاطيه مع الحركات المعارضة منذ الستينات من القرن الماضي هو استدراجها إلى العنف ليخوف الشعب منها وليحرمها من مساندته، خاصة في سياق ما سمي الحرب على الإرهاب التي يقبع ضحيتها في السجون المغربية المئات من المظلومين بدعوى الإرهاب.

2- تعميم الاحتجاج

وهو أسلوب مربك للنظام مشتت لجهوده في القمع معبئ للشعب خاصة مع وسائط الاتصال التي خرقت الحواجز الإعلامية التي دأب النظام على تسييج الأحداث بها.

3- الرهان على الشارع

خاصة أن كثيرا من مؤسسات المجتمع التي كان من المفترض أن تحتضن هموم وانشغالات الشعب فقدت جدواها بفعل الاستبداد الذي حولها من مؤسسات تخدم مصالح الشعب إلى مؤسسات تخدم مصالحه في تجميد حركة المجتمع وتحريف التوجهات الشعبية عن خطها نحو العدل والكرامة والحرية. وهي مؤسسات لم يعد لها في عين الشعب أي نفع أو ضرورة ما دامت لا تحقق الأهداف التي أسست من أجلها، فيبقى الحل الوحيد للتعبير عن الذات وللمطالبة بالحقوق هو الشارع حيث لا أسوار ولا وسائط تخفي عن المجتمع ما يعانيه أبناؤه من ظلم واستبداد وحيف وتمييز وإقصاء.

4- تذويب حاجز الخوف

كان شعار: "إسقاط الفساد والاستبداد" الشعار المركزي للحراك المغربي بحكم أن هذا التوأم هو أصل الداء ومنبع الأزمة ورمز الانحطاط. واستطاع الشباب رفع شعارات نظن أنها وإن لم تسقط الفساد والاستبداد كليا لحد الآن إلا أنها أسقطت ما بقي من خوف من المخزن من قلوب الشعب، وهذا بالنسبة إلينا مكسب كبير بالنظر إلى الأسلوب الذي اعتمده المخزن في ترهيب الشعب على مدى قرون. ونستطيع القول بأن ركنا أساسيا من الأركان التي بنى عليها المخزن نظامه وسلطته قد انهدمت، ونرجو أن يكون ذلك للأبد.

5- التصعيد التدريجي

التصعيد التدريجي في المطالب والشعارات والأساليب دون أن يكون للحراك سقف من أية جهة كانت فليس لأي جهة أن ترفع السقف أو تخفضه تبعا لخياراتها هي، وهذا كان شرطا ضمنيا من شروط الحراك، ولكنه ما لبث أن خرق بفعل حرص البعض على وضع سقف محدود لا يتجاوزه. إن تحديد السقف اعتبرناه كبتا للحركة وتضييقا في وسائل مواجهة الاستبداد قد يوصل الحركة إلى مرحلة تعيد فيها تجربة الأحزاب التي كانت معارضة للنظام ثم استطاع احتواءها عبر تفاهمات كان الشعب ونضاله ضحيتها الأولى.

6- التنوع في مكونات الحركة

لا بد من التذكير بأن الحراك المغربي لم يقتصر على حركة 20 فبراير، بل نستطيع القول إن الحركة التحقت بالاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ سنوات طويلة. وكانت الحركة متنوعة بين بعض الإسلاميين، وضمنهم شبيبة العدل والإحسان، وبعض أحزاب اليسار والمستقلين. وقد كان هذا التنوع في البداية نقطة قوة للحركة على اعتبار أنها استطاعت الجمع بين النقيضين في عمل واحد، وقد تعرضت الحركة إلى الكثير من الانتقادات بسبب جمعها لهذا النقيض.

7- غياب اللافتات الحزبية

حرصا على المصلحة العامة كان لا بد من تغييب اللافتات الخاصة بكل طرف من الشركاء ، ولا نخفي أننا تحملنا من جهتنا الكثير من العنت من هذه الناحية سواء من جهة التزامنا الكامل بهذا الشرط على مستوى الشعارات المرفوعة والمطالب الخاصة، أومن جهة اتهامنا من قبل الكثير من المغاربة بالتقصير في موضوع رفع الشعار الإسلامي. وقد كان مبررنا محاولة الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يجر الحركة إلى صراعات وهمية قبل أن يتبين الجميع من حسن نوايانا، وكنا نأمل أن يتفهم باقي الشركاء موقفنا من منطلق الحرص على لحمة الحركة على الرغم من أننا نرى أن الإسلام وشعاراته هي ميراث كل المغاربة وليست حكرا لفريق سياسي دون آخر.

تحديات وآفاق

ندرك تماما أننا نواجه نظاما له خبرة طويلة بالمناورات والمراوغات، ولهذا كان رد فعله على الاحتجاجات الشعبية مختلفا عن رد فعل باقي الأنظمة التي عرفت بلدانها انتفاضات شعبية ، حيث كان للمقاربة الأمنية حضورها في قمع الحركة بتوجيه ضربات ردعية أفضت إلى سقوط شهداء رحمهم الله، وإلى جرحى ومعطوبين ومعتقلين. واستبق الأحداث بالإعلان عن ترقيعات دستورية لامتصاص وهج الحركة وقوتها حين أعلن عن "دستور جديد" في خطاب 9 مارس 2011. غير أن حركة الاحتجاج استمرت بل تصاعدت لأن هذه الخطوة يراد منها فقط الالتفاف على مطالب الشعب وربح الوقت وامتصاص الغضب الشعبي[2].

وفي سياق الانتصار الساحق للحركة الإسلامية في انتخابات تونس ومصر لم يجد النظام المغربي أنسب من العنوان الإسلامي ليكمل به دورته الالتفافية على الشعب وليتمم به المشهد الأخير في مسرحيته الهزلية أمام شعب واع تمام الوعي بالدور المسند إلى جزء من الإسلاميين المغاربة على الخشبة، بعد انتخابات 25 نونبر 2011 المخزنية في الشكل، المزورة في الأرقام، غير المجدية في النتائج وما ينبثق عنها من مؤسسات لا صلاحيات جوهرية لها[3]: حكومة لا أغلبية فيها لطرف فينفذ بها مشروعه الانتخابي، ولا صلاحيات تنفيذية حقيقية تخول لها حرية التصرف، ولا سند شعبي لها باعتبار نسبة المقاطعين الكبيرة للانتخابات. ولا طاقة، في ظل هذه المعطيات، لمغلوب على أمره على حمل ميراث ثقيل من الأزمات تراكمت على مدى نصف قرن من الزمان... اللهم إلا إذا كان الهدف ضرب عصافير بحجر واحد ب:

1- الانحناء أمام العاصفة الشعبية التي أتى بها الربيع العربي ريثما يهدأ الوضع، والتعمية على المطالب الحقيقية للشعب.

2- الظهور بمظهر النظام الديمقراطي القوي والمنفتح والذي لم تمنع خصومته مع الإسلاميين من تسليمهم "مقاليد الحكم".

3- توريط الإسلاميين في أزمة لا قبل لهم بها ولا يتحملون وحدهم مسؤوليتها وإحراجهم أمام الشعب تهييئا لمستقبل يقول المخزن فيه: إن الشعب منح الحكم للإسلاميين ولكنهم لم يكونوا في مستوى المسؤولية، بهدف أن ييأس الشعب من أي خير ينتظر منهم.

بالمقابل وصلت حركة 20 فبراير إلى مرحلة كان لا بد فيها من الحسم، وبدا جليا أن الحركة، بالشكل الذي هي عليه، حققت بنضالها أقصى ما يمكن أن تحققه في ظل الظروف الذاتية التي فرضها البعض وفي ظل السقف الذي حدد لها، وفي ظل السعي إلى تحويلها من حركة احتجاجية إلى بقرة حلوب يقتات منها النظام تنفيسا عن الغضب الشعبي المتأجج وتلميعا لصورته أمام الخارج، ويقتات منها بعض الساعين إلى رمزية جوفاء، ويقتات منها من يريدها عصا يبتز بها النظام على حساب مصلحة الشعب.

لقد فشلت جميع مسكنات المخزن، وكشف عن جميع أوراقه بدليل مسارعته إلى التغطي برداء الإسلاميين على مضض بعد أن أدركه الغرق، وإن حركة 20 فبراير كانت فرصة مهمة ليعرف الشركاء في هذا الوطن بعضهم عن قرب من أجل الاستمرار في حراك شعبي ينضج يوما عن يوم ويتوج بالنصر البادي في الأفق على الفساد والاستبداد. نداء حلف الإخاء بيان الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حول الدستور الجديد بلاغ جماعة العدل والإحسان حول اقتراع 25 نونبر

تاريخ النشر: الإثنين 11 يونيو/حزيران 2012

[1] انظر وثيقة "نداء حلف الإخاء" الذي أعلنته الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في دجنبر 2006.
[2] انظر بيان الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حول الدستور الجديد.
[3] انظر بلاغ الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان حول الانتخابات التشريعية ل 25 نونبر 2011.