قضايا وآراء

  A+ A- A

الصهيونية: الأسس الفكرية والتآمر الغربي 4/1

بقلم: أحمد الفراك

مقدمة

ننطلق في هذا الموضوع من معطيين اثنين نعتبرهما أصلين للنظر في قضيتين اثنتين نعدهما متلازمتين، فأما المعطيان فهما: أولا مُعطى الوحي المقدس المتمثل في التنزيل الحاكم المهيمن، أي القرآن الكريم وما يحمله من حُكم إلهي على صنفٍ مِن خلْق الله عقوا الأنبياء وخانوا الرسالة وضيعوا الأمانة، وثانيا: معطى الواقع الكوني الذي تشهد الإنسانية أحداثه تبعا لما اكتسبه الناس ويكتسبونه من فعال وما يترتب عليها من جزاء في حياتهم الدنيا وفي الآخرة. وأما القضيتان فأولاهما مسؤولية العالم الغربي عن تأسيس ودعم الفكر والفعل الصهيونيين، وثانيهما تأثير هذا الفكر الصهيوني- ومعه النصرانية المتطرفة في تأثيل العقل الغربي ومسخ السياسة الغربية، والنتيجة كراهية دولية تعيق قيام تواصل وتعايش إنساني ينعم في ظله الإنسان بما هو إنسان مكرم.

قبل ذلك نتساءل: ما معنى الصهيونية؟ وماهي أسسها الفكرية والعقدية؟

مفهوم الصهيونية

الصهيونية حركة يهودية عنصرية متطرفة تأسست سنة 1897 لتعبر عن رغبات اليهود وتلخص طموحاتهم في العصر الحديث، وفي مقدمتها: رغبة "العودة" إلى ما يسمونه: "أرض إسرائيل" (Zionism)، وسميت بالصهيونية نسبة إلى "جبل صهيون" الذي يقع جنوب بيت المقدس.و تتلخص مهمة هذه الحركة في تنفيذ المخططات الاستعمارية المرسومة لإعادة "مجد بني إسرائيل" وبناء "الهيكل" (زعمًا أنه هيكل النبي سليمان عليه السلام)، ثم إقامة "مملكة إسرائيل الكبرى" التي تمتد إلى نهر النيل، والسيطرة من خلالها على العالم تحت ملك يهودا المنتظر!

فهي إذن حركة عقدية سياسية تُجسد قمة تمكن "داء الأمم" من قلوب غالبية بني إسرائيل، وداء الأمم هو "الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي" ، وتشكل الصهيونية في أرض الواقع الجهاز التنفيذي "الشرعي" والرسمي لليهودية العالمية. وفي كتابه الفريد "سنة الله" يعتبر الأستاذ عبد السلام ياسين أن "منبع الصهيونية وأصلها هو الشعور المكبوت بالانتماء والصمود التاريخي والحنين الدائم إلى العودة لأرض "الميعاد". الصهيونية نُقلة نوعية من ذهنية اليهودي الخامل في بلاد الشتات، المتجمع حول الأحبار وأسفارهم، الحالم بنـزول المسيح "الماشيح" كما يقول العبرانيون إلى الأرض ليخلص "شعب الله المختار". نقلة من تلك الذهنية إلى ذهنية اليهودي الفاعل المتحرك المنظم. الصهيونية تشخيص عملي لفكرة العودة وإحياء القومية اليهودية التي كانت تدور لآلاف السنين في أذهان بائسة حاقدة محتقِرة للعالم محقورة" [1].

وفي الموسوعة الحرة: "الصهيونية حركة سياسية يهودية تدعو إلى تكوين أمّة يهوديةً وتنادي بحق هذه الأمة بتكوين كيان لها على أرض إسرائيل التاريخية" . حيث تركّزت جهودها منذ 1917 على أرض فلسطين الإسلامية العربية لإنشاء وطن قومي عنصري، وفي سنة 1948 تم تنازل الاستعمار البريطاني عن السيادة والسلطة بخطة مدروسة مسبقا للعصابات الصهيونية المنظمة التي اشتهرت بالعنف الأعمى: الاغتيالات والمذابح والتهجير والتعذيب ومختلف أنواع الوحشية والهمجية... ويشبِّه بعض اليهود الحركة الصهيونية بإله الهنود العظيم "فشنو" الذي له مائة يد، (إشارة إلى تجدر عقلية النفوذ والسطو والابتزاز). ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: وأمددناهم بأموال وبنين . أمدهم الله –ابتلاء- بالقدرة على الدهاء وجمع الأموال واكتنازها واستثمارها، ومن يجهل اليوم أو ينكر أنها تبسط سلطانها على أغلب الأجهزة الحكومية في العالم وتملك تأييدها وتضمن تبعيتها، وتعمل دوما على توجيهها للعمل داخليا وخارجيا بما لا يتعارض مع المصلحة اليهودية، حتى أضحت الصهيونية هي قطب رحى الحراك السياسي والاقتصادي العالمي.

من وعد بِلْفورَ والمسرى لهم هدفٌ
والقدس والمسجد الأقصى لهم غَرَضُ
حتى إذا جاء وعد الخبِّ مَوعده
كانت لهم دولة "سحقا لمن رفضوا"

فما هي الأصول الفكرية للصهيونية باعتبارها -في نظر الأستاذ عبد السلام ياسين[2]- "غدة مَرَضية في جسم البشرية" ؟ وما هي مسؤولية الدول الغربية في نشوء وتطور الحركة الصهيونية؟ وما هو تأثير المذهبية الصهيونية على الساحة السياسية والمالية والفكرية الغربية والعالمية؟ وكيف تمالأت النعرة الصهيونية على أرض فلسطين خاصة وعلى الأمة الإسلامية عموما؟

الأصول العقدية والفكرية المؤسِّسة

يقال إن أول من استعمل مصطلح الصهيونية هو المفكر والكاتب اليهودي نتان بيرنبويم (1864- 1937)، مقتبساالمصطلح من اسم جبل (صهيون) للإشارة إلى الحركة التي تؤيد عودة الشعباليهودي إلى أرض فلسطين وتحقيق أحلامه وأُمنياته[3].

تجدرت الفكرة الصهيونية منذ مئات السنين، ببروز مجموعة من الحركات السياسية اليهودية تعبئ اليهود عقديا من خلال المناداة بالعودة إلى أرض "إسرائيل"، وكانت هذه الحركات تثيرالحماس في نفوس اليهود وتعدهم باقترابموعد الخلاص، وتحرضهم على الاستعداد للهجرة، مستغلة بعض الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي كان يمر بها اليهود في الدول التي حلوا فيها. "كانت الشعائر والطقوس والعصبية العرقية جامعا ومدرسة لإحياء الشعور بالانتماء" .

تـراكـم

استمر الجدل والنقاش بين التيارات اليهودية وحُشرت بذاك الصدد كل الحكايات الشفهية والمكتوبة والأساطير والأشعار والتواريخ وأُخضعت لنوع من التفسير والتأويل يهيئ المجرى لتكوين وعي يهودي جديد يقوم على فكرة استيطانية عنصرية إقصائية تسمى الصهيونية. نذكر من الحركات التاريخية التي مهدت لظهور الصهيونية: حركة المكابيين التي أعقبت العودة من السبي البابلي (586 - 538م)، وحركة باركو خبا (118 - 138م) وحركة موزس الكريتي وحركة دافيد روبين وتلميذه سولومون مولوخ (1501م- 1532م) وحركة منشه بن إسرائيل(1604 - 1657م) وهي النواة الأولى التي وجهت خطط الصهيونية وركزتها على أساس استخدام بريطانيا في تحقيق أهداف الصهيونية، وحركة شبتاي زفي (1626 - 1676) الذي ادعى أنه مسيح اليهود المخلص فأخذ اليهود يستعدون للعودة إلى فلسطين.وحركة رجال المال التي تزعمها روتشيلد وموسى مونتفيوري وكانت تهدف إلى إنشاء مستعمرات يهودية في فلسطين كخطوة أولى لامتلاك الأرض ثم إقامة دولة اليهود. والحركة الفكرية الاستعمارية التي دعت إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين في بداية القرن التاسع عشر. ثم حركة صهيونية عنيفة قامت إثر أحداث 1882 روسيا، وفي هذه الفترة ألف هيكلر الجرماني كتاب بعنوان "إرجاع اليهود إلى فلسطين حسب أقوال الأنبياء"...

وتعززت مطالبهذه الحركة بكتاباتمجموعة من الحاخامات (أمثال يهودا حي القلعي (1798-1878) والحاخام تسفي هيرش كاليشر (1795-1874) وغيرهما) الذين دعوا إلى هجرة يهودية في مطلع القرن التاسع عشر إلى أرض فلسطين وإقامة مستوطنات ووضع الأُسس الثابتة لتجديد مُلك اليهود.

فتكاثرت الأصوات اليهودية التي تنادي بوجوب التميز والاستقلال الحضاري والثقافي للجنس اليهوديباعتبارهم أقلية قومية لها ميزة خاصة من دون الأمم الأخرى على وجه الأرض، فهم -في زعمهم- "الشعب المختار" المتفوق، أما باقي الشعوب فمجرد خُدام للسيد اليهودي المنتفخ علوا وحقدا وكراهية... ويندى الجبين مما تحمله صفحات التلمود من بهتان وسوء أدب مع الله تعالى ومع أنبيائه ورسله عليهم السلام جميعا، فبالأحرى مع باقي الناس، ناهيك إن كان هؤلاء الناس من أتباع النبي الخاتم الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين.

إلى أن قام تيودور هرتزل بالدعوة إلى عقد أول مؤتمر خاص باليهود سنة 1897 في مدينة بازل بسويسرا. وبتلك الدعوة اعتُبر هرتزل المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية فكراً وممارسة. والواقع أن هرتزل قد اقتنع بعد اطلاعه على مجريات الأموروالأحداث السياسية الدولية أنّه يجب الاعتماد على دولة كبيرة ذات نفوذ واسع لتأمين الأرض والاستيطان للصهيونيين، فحاول مع السلطان العثماني ومع القيصر الألماني نيل الدعم اللازم من أجل تحقيق المشروع الصهيوني ولكن محاولاته لم تكن ذات جدوى. إلا أن هرتزل لم ييأسمن متابعة المحاولات فأجرى اتصالات مع القيصر الروسي ومع البابا ومع شخصيات سياسية عالمية أخرى، إلا أن ما أراده لم يتحقق في عهده. لكنا حتيالاته الشيطانية جعلت المسألة اليهودية في مقدمة القضايا التي تلفت اهتمام الدول العظمى وتدفعها إلى اتخاذ قرارات مصيرية لمساندة الفكرة والقضية ودفع الدعم المادي والمعنوي لتجسيد تلك القرارات في وقائع ميدانية على أرض فلسطين، وبالفعل استطاع هرتزل ومن معهومن جاء بعده وفي مقدمتهم "حاييم وايزمان" بالحصول على "وعد بلفور" المشئوم في 1917.

الصهيونية الحديثة

مرت الصهيونية بمراحل كثيرة منذ القرون الأولى قبل ظهور الديانة النصرانية وبعدها وقبل ظهور الإسلام وبعده، وكانت مهمتها في المراحل الأولى تحريض اليهود على الانتفاض والعودة إلى أرض فلسطين وبناء هيكل سليمان، وتأسيس مملكة إسرائيل الكبرى، وحــوك المؤامرات والمكائد ضد الأمم والشعوب الأخرى التي لا تتفق مع طموحات اليهود شعب الله المختار.

في سنة 1806 ظهرت بوادر ما عُرف بالصهيونية الحديثةحين اجتمع المجلس الأعلى لليهود بدعوة من نابليون -لاستغلال أطماع اليهود وتحريضهم على مساعدته- ثم حركة هرتزل التي تمخضت عن المؤتمر اليهودي العالمي في مدينة بال بسويسرا سنة 1897م والذي قرر فيه أقطاب اليهود مايسمى ب"بروتوكولات حكماء صهيون" وهو المخطط اليهودي للاستيلاء على العالم ومن هذا المؤتمر انبثقت المنظمة الصهيونية الحديثة. والتي تحددت أهدافها في عملين كبيرين هما:

أولا: عمل عقدي

ويتلخص في:

1- إحياء النعرة القومية والعقدية في أوساط اليهود بمختلف طوائفهم وفي جميع أنحاء العالم من أجل تكوين جبهة موحدة تتصدى للأديان الأخرى والشعوب غير اليهودية، خاصة المسلمة.

2- حفز وتشجيع الإنسان اليهودي على الهجرة إلى فلسطين، حيث يسمونها "أرض الميعاد".

3- دعوة اليهود إلى التمسك بتعاليم التلمود ووصايا الآباء والأجداد، ومنها الإنفاق بسخاء على تأسيس واستمرار "دولة إسرائيل".

ثانيا:عمل سياسي

ويتلخص فيما يلي:

1- السعي إلى تهويد شعب فلسطين، وذلك بتشجيع هجرة اليهود من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين وتمويل هجرتهم وتنظيمها، وتأمين وسائل الاستقرار النفسي والمادي والاجتماعي، وذلك باستحداث مستوطنات لقيطة داخل أرض فلسطين، وتوطيد الكيان اليهودي الناشئ في فلسطين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

2- الضغط على دول العالم واستعطافهم لانتزاع شرعية وجود دولة صهيونية في قلب العالم الإسلامي العربي، وإن رفض شعب فلسطين وباقي الشعوب المسلمة، وذلك باستعمال مختلف الإكراهات على أكثر دول العالم لضمان شرعية الفكر الصهيوني دوليا، ففُرضت إسرائيل على العالم أجمع، وعلى المسلمين على وجه الخصوص. لذلك تحرص الصهيونية على القيام بدور رئيس في دفع أمريكا وبريطانيا وروسيا وأكثر الدول في أوربا إلى حماية الكيان اليهودي سياسياً وعسكرياً ودعمه اقتصاديا وثقافيا...

3- وضع خطط استراتيجية لتجميع الطاقات والإمكانات وتوحيد الجهود بين جميع الهيئات والمنظمات والمؤسسات الاقتصادية لتقوية الكيان الصهيوني وتعميق نفوذه في العالم. مع متابعة وتنفيذ هذه الخطط بالتفصيل خطوة بخطوة، ووضع الوسائل الكفيلة بالتنفيذ السريع والدقيق، ثم التهيئة لها إعلاميا وتمويلها اقتصاديا، ودعمها سياسياً.

تاريخ النشر: الثلاثاء 24 أبريل/نيسان 2012

[1] عبد السلام ياسين، سنة الله، الطبعة الثانية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ص 104.
[2] أحد أكبر علماء المسلمين في العصر الحديث، وهو مرشد جماعة العدل والإحسان، ولد بمراكش عام 1928م، وترقى في مجموعة من المناصب كخبير بوزارة التربية والتعليم، قبل أن يتفرغ للعمل الدعوي والسياسي.... انظر موقعه الالكتروني: www.yassine.net
[3] يقال أن بيرنبويم هذا قد انخرط في حزب (اغودات يسرائيل) المتدين وأصبح من كبار معارضي الصهيونية، لكون حزبه لايؤمن بـ (العودة) السياسية إلى فلسطين.