A+ A- A

بني ملال، مندوبية الأوقاف والشؤون الإسلامية: اعـزلـه يا مولاي

وأخيرا تنفس السيد مندوب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ببني ملال الصعداء، وأزاح من على صدره عبئا احتمله سنتين، اسمه الدكتور نور الدين عادل، وهو من الشباب حملة الدكتوراة الذين تعاقدت معهم الوزارة في إطار برنامج تحديث دواليب وزارة غدت متهمة بعقلية قرونية جاء به معالي الوزير أحمد توفيق لتنظيم الشأن الديني بعيد أحداث 16 ماي الأليمة، وما خلفته من تداعيات وجدها البعض فرصة لتصفية حسابات سياسية مع الحركة الإسلامية عموما.

تعاقـدت الوزارة إذن مع مجموعة من هؤلاء الشباب، ووظفتهم في مصالحها المركزية والجهوية، على أن يتم ترسيمهم في وظائفهم بعد سنة أو سنتين عند الاقتضاء من التمرين أو التدريب، وعين الدكتور الشاب بمندوبية بني ملال مستبشرا كل خير مادام سيظل ببلدته التي يعرف أهلها وطباعها، ويعرفونه وهو الذي اعتلى منبر الجمعة، وتصدر مجالس الوعظ في مساجد المدينة، لا سيما في حي التقدم وحي السعادة حيث عرفه الناس بابتسامته ووداعته وربانيته.

عين الدكتور الشاب بمندوبية بني ملال التي يشرف عليها أستاذ متقاعد، له تاريخ "حافل" بالإنجازات، فهو صاحب الرقم القياسي ـ ولا فخر ـ في توقيف الأئمة والخطباء ومطاردة حفاظ كتاب الله، وكل من تشم فيه مسكة ربانية يلتف حوله الناس يصبح هدفه، وبتقرير كتابي أو حتى مكالمة هاتفية تهرع السلطة لمنع الضحية من مزاولة مهامه، والتهمة أمريكية لا تناقش: "تشجيع الإرهاب". إنجاز فريد يضيفه المندوب إلى سجل تعسفاته، إذ لم تسجل أية حالة عزل أو تسريح من الفوج الذي ينتمي إليه دكتورنا الشاب، وهذا يطرح أكثر من تساؤل حول مصداقية القائم على المندوبية ببني ملال ونواياه الاستئصالية.

دكتورنا الشاب وسيم، باسم الثغر، يفيض حيوية وعطاء، ذو كفاءة علمية عالية، وخطيب جمعة مفوه، وواعظ رقيق العبارة وعضو في جماعة العدل والإحسان، هذه مميزات دكتورنا، عفوا تهمه في نظر السيد المندوب الذي قطع على نفسه عهدا بأن لا يرسم مادام هو مندوبا، وأن لايعتلي منبر جمعة ما دام حيا؛ والمندوب بنهجه هذا يعارض توجه الوزارة التي لم تلتفت إلى الانتماء السياسي لهؤلاء الشباب بقدر ما ركزت على الأهلية والكفاءة، لا سيما ومشروع السيد الوزير يقوم على استيعاب كل الخطابات الإسلامية لتفادي تكرار تسونامي 16 ماي.

بعد سنتين عد مندوب الوزارة لياليها ليلة ليلة وشهرا شهرا، جاءت ساعة الحسم لتشطيب اسم الدكتور الشاب من قوائم الموظفين من الوزارة، ولأن أي قرار إداري يجب تبريره، خاصة ومشواره المهني يشهد له بالجدية والتفاني في بناء مؤسسة جديدة يريد ذوو النيات الحسنة لها أن تضطلع بمهام جليلة، كما أن ملف الضحية ـ الدكتور خال من أي استفسار أو لفت نظر في حقه، فبحث المندوب عن كل ذريعة تجعل فعلته مستساغة، ولأنه عندما تسفل الهمم وتمرض القلوب تغدو كل وسيلة مهما كانت دناءتها مقبولة، وكما يقال: "الغاية تبرر الوسيلة"، هكذا وجد المندوب نفسه مضطرا ليغوص في أسافل التاريخ ليعثر على ذريعة من القرن الثاني الهجري، عندما كانت بطانة الأمير أو الملك تصفي حساباتها مع خصومها الفكريين أو السياسيين بالإيعاز للأمير أو الملك بعزل هذا أو ذاك بتهمة تحريض الرعية ضده، هكذا غدا الدكتور الشاب ضد ثوابت الأمة، تهمة ليس لها حدود، وقوتها في عدم توضيح المقصود منها، وإلا هل الدكتور الشاب زعيم حركة انفصالية، أو رئيس تنظيم سري يخطط لضرب منشآت حيوية في البلاد، أم أن المقصود بذلك هو الانتماء إلى جماعة العدل والإحسان؟ وإذا كان هذا "المنطق" سليما يجب على السلطة أن تشطب على جميع الموظفين المنتمين للجماعة، وضمنهم قاعدة كبيرة من أطر الدولة.

بهذه المكيدة "نجح" المندوب في إقناع الوزارة بل مصلحة الموارد البشرية، التي يبدو أنها متناغمة في التوجه معه في عزل الدكتور الشاب، وهو الذي تشهد له المندوبية والمصالح المختلفة التي تعامل معها بالأهلية والكفاءة العالية بل حتى المندوب نفسه، من خلال المحطات التكوينية والندوات التي كانت تنظمها المندوبية، والتي كان يتصدر فيها المجالس باعتباره رجل الاختصاص.

ما أصعب أن يبخس المرء حقه، ويتنكر لعرق جبينه، وعوض أن يكافأ يجرم ويـدان ويحكم عليه وعلى أبنائه بالتشرد؛ ثم بعد ذلك نتساءل: لماذا لم تسعفنا وتطاوعنا التنمية والرقي بالبلاد وأحوال العباد كما تيسرت لمن حولنا من الأمم..؟ ألم يمنع قوم موسى عليه السلام القطر لأن فيهم رجل عاص؟

جمعت وثائق ملف الدكتور وشمع بالشمع الأحمر ـ فهذا زمانه ـ وكتب عليه بالرسم المغربي: "اعـزلـه يا مولاي، إنه ضد ثوابت الأمة"، بهذه العبارة القرونية يطوى الملف بالوزارة ليفتح في المحكمة الإدارية طعنا في قرار لا يستند لأي أساس، عسى أن تكتشف الحقيقة، ويفضح المتآمرون المتلاعبون بمصير العباد والبلاد، حفاظا على مصالحهم الشخصية.

حسبك ـ أيها الدكتور الشاب ـ وحسب من سبقوك في "متابعات التفتيش" من الأئمة والخطباء وطلبة القرآن، حسبكم جميعا الله تعالى المنتقم الجبار الذي يمهل ولا يهمل، فالظلم ظلمات يوم القيامة، ودعوة المظلوم وأبناء وأمهات المظلومين ليس بينها وبين الله تعالى حجاب، ومن عادى لله وليا ـ وحملة القرآن أهل الله وخاصته ـ آذنه الله القهار الجبار بالحرب، وما يدريك دكتورنا، لعل العليم الخبير يريد لك ذات الشوكة.

فاللهم اجعلنا لك من المتقين، وبنصرك وتأييدك لعبادك المستضعفين من الموقنين. آمين آمين آمين، والحمد لله رب العالمين، وأقم الصلاة يرحمك الله.

تاريخ النشر: الثلاثاء 12 شتنبر/أيلول 2006