أرسل إلى صديق
بقلم: عمر إحرشان
مفاهيم منهاجية(6): الإحسان
نخصص هذه الحلقة لمفهوم أساس في منظومة المفاهيم المنهاجية. إنه الإحسان.
سنحاول أن نميط اللثام عن الاستعمالات المختزلة للمفهوم وندقق في دلالاته المتكاملة والشاملة كما أوردها الأستاذ المرشد في كتاباته، مركزين على أهمية الإحسان في مشروع أي حركة إسلامية.
الإحسان ضروري لاطمئنان السير، وفي هذا يقول الأستاذ المرشد "الإحسان لتطمئن خطانا إلى الله، وخطواتنا في مواجهة الحقائق المرعبة في المجتمع"[1] ، وهو ضروري لتجنيب المشروع الإسلامي دوامات العنف لأنه "بوجود الإحسان لن ندعو أبدا إلى الحل الصراعي العنيف"[2] وضروري لتحمل الشدائد والصبر على المحن "تتمزق أوصالنا إن تعرضنا لأول صعوبة وليس معنا الإحسان"[3] وضروري لتجنب الغوغائية "يكون حملنا لشعار عظيم وما يكنه من برنامج واسع عريض مجرد ضوضاء وغوغاء إن فقدنا المطلب الإحساني أو اندثرت معانيه لا قدر الله"[4] .
أما عن معاني الإحسان فنجملها في ثلاثة "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، الإحسان أن تحسن إلى الناس، الإحسان أن يحسن عملك، الإحسان أن تفيد وتجيد"[5] . ولذلك فهي لا تنحصر في مجال دون آخر "عن الإيمان والإحسان نبحث، فنجد أنهما عقد بالقلب يتبعه نطق باللسان وعمل الجوارح"[6] .
1- الإحسان العبادي:
من خلال حديث جبريل عليه السلام المشهور يتضح أن الدين مراتب: إسلام وإيمان وإحسان، والإحسان هو الدرجة الثالثة، درجة التقوي، وغاية الغايات، يكون فيها المحسن دائم الصلة بالله والمراقبة له، دائم الحضور بين يديه، واقفا عند حدوده، متشوقا إلى النظر في وجهه الكريم وسائلا الموت في سبيله، "هذا التعلق بالله وملازمة العمل الصالح الذي يقرب منه هو الإحسان في معناه الأول: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"[7] . وهذا هو الأساس والمبتغى، والبحث عنه لا يعني الانزواء ولا الدروشة ولكنه سلوك على منهاج النبوة، وفي هذا يقول الأستاذ المرشد " لا يمكن أن تولد الشخصية الإيمانية والهوية الإحسانية في فراغ الخلوة وقارورة المختبر. من بين فرث المجتمع ودمه يتعين أن تبرز هذه الهوية من ضرع التربية لبنا خالصا"[8] .
2- الإحسان المعاملاتي:
يقول الله تعالى ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ ، تتوسع دائرة المعاملات لتشمل الوالدين والأقربين والناس أجمعين، وهذا هو المعنى الثاني: "يتجسد الإحسان القلبي في مظهرين يسميان لغة وشرعا إحسانا أحدهما البر والعطاء والسخاء والمساواة والإسعاف والعطف والحنان والآخر إتقان العمل"[9] .
3- الإحسان العملي:
يقصد به إتقان العمل وإصلاحه، فقد روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه" ومن حديث مسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" .
و"مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المومن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء"[10] .
أما بخصوص الحركة فالإحسان بمعناه الحقيقي هو الذي يميزها عن الحركات الأرضية المنقطعة الصلة بالله، وهو الذي يجعل جهادها ذا معنى ويمنحه المغزى، وفي هذا يقول الأستاذ المرشد "الجهاد القتالي، إن تعين، لا يقيل من الجهاد السياسي قبله وبعده، ولربما كان الجهاد السياسي التربوي البنائي أصعب منالا وأشق طريقا وأحوج إلى خصال الصبر الطويل والمرابطة المستمرة والرفق من القتال الذي تهون ريح الشهادة وكرامات التأييد الإلهي فيه صبر ساعة وصبر الإصابة. كلا الجهادين مرقاة إحسانية ومدرسة تربوية وامتحان يوشح القرآن وتوشح السنة صدور مستحقيه بأوسمة الفلاح الأبدي"[11] .
ولذلك فالأستاذ المرشد حريص دائما على الموازنة بين الخلاص الفردي والخلاص الجماعي، وبين هم الفرد وهموم الأمة، وهذا ما يؤكد عليه في خاتمة كتاب تنوير المومنات موضحا السبب "فإذا كنا في فصول هذا الكتاب نوازن بين التعبئتين والجهادين. تعبئة الفرد وجهاد النفس، وتعبئة الأمة وجهاد الأمة، فلأن الله عز وجل أعد للمحسنات والمحسنين أجرا عظيما، وأعد سبحانه للمحسنات وللمحسنين فوق ذلك درجات لا تنال إلا بالجهاد، جهاد تعِزُّ به الأمة فتقوَى في الأرض على تبليغ كلمة الله".
جعلنا الله من المحسنين إيقانا وإتقانا ومعاملة.
تاريخ النشر: الثلاثاء 12 ماي/أيار 2009
| [1] | رسالة من المرشد .. م. س. |
| [2] | ن. م. |
| [3] | ن. م. |
| [4] | ن. م. |
| [5] | عبد السلام ياسين، "رسالة تذكير"، ص 9. |
| [6] | الإحسان، ج1، ص 25. |
| [7] | عبد السلام ياسين، "تنوير المومنات"، ط 1، 1996، مطبوعات الأفق، ص 1/217. |
| [8] | الإحسان، ج2، ص 483. |
| [9] | عبد السلام ياسين، "تنوير المومنات"، م.س...، ص 1/218. |
| [10] | عبد السلام ياسين، سلسلة "الإحسان": 1- الرجال، ط 1، 1988، ص 3. |
| [11] | الإحسان، ج2، ص488-489. |






