دعوة وتربية

  A+ A- A

تداعي الأمم

1- نص الحديث:

عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن قال قائل: يا رسول الله وما الوهن قال: حب الدنيا، وكراهية الموت". رواه أبو داود والبيهقي.

2- ترجمة رواة الحديث:

* ترجمة ثوبان:

هو الصحابي الجليل ثوبان بن بجدد، أبو عبد الله ويقال له أبو عبد الرحمن الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم، قيل أصله من اليمن، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيره بين المكوث معه أو الالتحاق بقومه فاختار جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي سنة 54 هـ.

* ترجمة أبو داود:

هو أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني، اقتصر في "سننه" على أحاديث الأحكام. وله ملاحظات قيمة على الرواة والأحاديث توفي سنة 275هـ.

* ترجمة الإمام البيهقي:

هو الإمام الحافظ صاحب كتاب السنن في عشر مجلدات في الأحاديث النبوية المؤلف في مذهب الإمام الشافعي، فهو شيخ خرسان أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، تلميذ العالم أبي عبد الله صاحب التآليف العديدة التي تقارب ألف جزء. ولد سنة 384 هـ توفي يوم 10 جمادى الأولى سنة 485هـ قال عنه إمام الحرمين أبو المعالي "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي فأن له المنة على الشافعي لتصانيفه في نصرة مذهبه".

3- شرح الحديث:

هذا الحديث الشريف من معجزاته صلى الله عليه وسلم، إذ فيه إخبار بما سيقع للأمة بعده صلى الله عليه وسلم من ضعف وهوان، والإخبار بالغيب من تمام النبوة. وهكذا نجد أحاديث كثيرة قد جمعها المصنفون في "كتب الفتن" وفيها تنبيه منه صلى الله عليه وسلم إلى ما يحل بالأمة من أخطار حتى نتمكن من الأخذ بالأسباب التي تسلك بنا إلى بر الأمان.

وهكذا، نجد الحبيب الطبيب، الحريص على أمته يصف لنا مرضا خطيرا يصيب الأمة. وحتى نأخذ الأمر بما يستحقه من أهمية استعمل صلى الله عليه وسلم صيغا بلاغية، وألفاظا بيانية تستنهض الهمم الراقدة وتوقظ العقول النائمة. قال صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم" في كلمة يوشك الدالة في لغة العرب على قرب وقوع الفعل المسبوق، بعدها تحذير وتخويف وتهويل (1)، إنها عبارة تختصر الزمان وتصور حالة الأمة الإسلامية والأمم تتكالب عليها وتنهش جسدها بحالة القصعة والأكلة حولها، وهي صورة غنية بالمعاني، غزيرة بالعبر، خاصة في هذا الزمان الذي نعيشه، ولعل ذلك ابتدأ منذ الهجمة الاستعمارية على ديار المسلمين والتي انتهت بتوزيع تركة "الرجل المريض" بعد موته.

إنها صورة فظيعة مخيفة أثارت الصحابة رضوان الله عليهم فجعلوا يتساءلون عن سبب هذا الوضع بل سبق إلى أذهانهم أن الأمر يمكن أن يكون بسبب قلة عدد المسلمين، ولكن الطبيب الحبيب يوضح للصحابة ولنا معهم أن القلة ليست هي السبب ولكنها الغثائية "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل".

"الغثاء: غثاء السيل وغثاء القدر وهو ما يطفح ويتفرق من النبات اليابس وزبد القدر، ويضرب به المثل فيما يضيع ويذهب غير معتد به كما قال علماء اللغة.

الغثائية إذن مرض الطفوح والتفرقة وخفة الوزن، وهي صفات ما يضيع ويذهب غير معتد به، أي لا قيمة له ولا أثر"(2).

من كان هذا وضعه وهذه قيمته فهل يخيف عدوه ؟ كلا، بل إن المهابة تنزع منه.

وهنا يشخص الطبيب الحبيب صلوات الله وسلامه عليه المرض ويبين السبب، إنه الوهن المستقر في القلوب ولقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم الوهن بحب الدنيا وكراهية الموت "حب الدنيا أثرة قتلت العدل، وسلطوية جبرية قتلت الشورى، فصميم الصميم في كياننا المعنوي مقتول، والجثة الغثائية لا يمكن أن تجيء وتفعل إن لم تعد إليها الروح بعودة الشورى والعدل وهما ممتنعان ما لم تعالج العلة الكامنة في النخاع: الوهن"(3).

والوهن حب الدنيا وكراهية الموت، هذا هو المرض العضال الذي تعانيه الأمة، فكيف نزيل حب الدنيا ونضع مكانها البذل ؟ وكيف نزيل كراهية الموت ونزرع مكانها حب الشهادة ؟ ما العلاج لهذه الحالة المرضية حتى نرجع بالأمة إلى حالتها الصحية ؟

"العلاج النبوي لهذا الفساد نستنبطه من حديث المصطفى الكريم عن الأجساد تفسد أو تصلح بفساد أو صلاح مضغة فيها تسمى القلب. من حديث رواه الشيخان وغيرهما عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "... ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".

صلاح التيار القلبي الإيماني الساري في أوصال الأمة يكون بصلاح قلوب المؤمنين وصلاح القلوب يكون بالتربية(4).

فالتربية إذن هي التي تقضي على الوهن فتقتل الأثرة وحب الدنيا، وتحيي في المؤمن حب الله والشوق إلى لقائه والموت في سبيله، ماله لله ونفسه لله، مصدقا قول الله تعالى: "إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون"(5) "ذلك المؤمن المجاهد لن يكون إلا نتاج تربية"(6).

التربية تحتاج إلى صبر وتدرج "نكتفي ممن ندعوهم بفضول من المال والوقت ريثما تنضج رجولتهم الإيمانية فيهبوا كل المال وكل الوقت وكل الجهد والنفس لله"(7).

وهكذا نرى أن المخرج لهذه الأمة من الضعف الذي تعيشه اليوم هو التحلي بهذه الآية الكريمة التي جمع فيها الحق تعالى الصفتين المعالجتين للوهن، قال تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة"(8).

هاهي إذن صفقة رابحة، فيا مؤمن تاجر!

4- خلاصة:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تكالب الأمم على الأمة الإسلامية بسبب مرض الوهن الذي سيصيبها والذي عرفه صلى الله عليه وسلم بأنه "حب الدنيا وكراهية الموت" ولعلاج هذا المرض الخطير لا بد من التركيز على عامل التربية لإصلاح القلوب وتكوين جيل مؤمن مجاهد همه الآخرة وطلب الاستشهاد في سبيل الله.

البرنامج التعليمي لجماعة العدل والإحسان

الهوامش:

(1) كتاب العدل ص 48.

(2) العدل ص 48.

(3) العدل ص 49.

(4) الإحسان ج I ص 24.

(5) الحجرات 14.

(6) المنهاج ص 9

(7) المنهاج ص 15.

(8) التوبة: 112.

تاريخ النشر: الثلاثاء 1 مارس/آذار 2005