الرئيسية

  A+ A- A

مقدمات في المنهاج
الفصل الثالث: اقتحام العقبة إلى الله عز وجل

السلوك

هذا الهم الذي ألح على فقيدنا العزيز سيد قطب رحمه اللّه يساور كل من مارس الدعوة وتعلم بالتجربة صعوبة الجمع بين نشاط القلب في إقباله على مولاه وبين نشاط العقل والجوارح يثيرها صخب الواقع ويصرفها عن ذكر اللّه وعن الصلاة. كان سيد قطب رحمه اللّه كثير التذكير ب" الفصام النكد" انفصام الدين عن الحياة الدنيوية، ذلك الإنفصام الذي عرف تاريخه في أوروبا، وكان بتاريخ ذلك بصيراً. وتحبذ العلمانية ودعاتها من بني جلدتنا ممن عاصرهم كاتبنا ذلك الانفصام يدعونه تقدما، ويسعون لفصل الدين في زاوية ساكنة من زوايا الإهمال. كل ذلك كان حاضرا في الذهن عندما كان يرفع شهيدنا تقبله اللّه صوته عاليا ليميز الجاهلية عن الإسلام، ليميز حياة الظلمة المادية عن حياة الإيمان.

همنا في هذا الكتاب يوازي ذلك الاهتمام، ويواكب نداءات تتعالى من صفوف حزب اللّه تفتقد التربية الروحية وتدعو إلى استكمال الايمان، وتخوف من الأزمة الروحية التي تهدد الصفوف صفوفا، يتنازع فيها الهم والعزائم داعي القلب ودواعي الفكر والحركة، وتتنازع تلك الدواعي وقت المؤمنين وبرامجهم وأسبقياتهم.

لذا لا نفتأ نذكر بأن سلوك العبد إلى اللّه عز وجل، وما يطلبه السلوك الإيماني الإحساني من تربية، من ذكر، من ترقيق القلب بالمداومة على الذكر، هو معنى المنهاج واتجاهه وغايته.

ونؤكد على أهمية طلب العبد في صفوفنا للرقي من إسلام لإيمان لإحسان. نعلمه ذلك الطلب، ونساعده عليه، ونماشي عليه خطاه، ونخصص لإحيائه في قلبه وقتا وبرامج ونشاطات، بل نجعل ذلك الطلب عبير جو العمل، وريحانة رياضه، وحادي سيره، ونجي خلواته، وشعار جلواته.

المنهاج النبوي أجملناه في هذه العبارة "اقتحام العقبة إلى اللّه عز وجل"، فأول ما نفهمه من العبارة تحرك سالك إلى مسلوك إليه، صعدا وارتقاء. تقرب العبد إلى ربه. فكل ما يصرف العبد عن هذه الوجهة، أو يعرقل هذه الحركة، أو ينسيها أثناء السير، أو يذيبها في الانتشار الفكري والشغل الجماعي، خطر يهدد عملنا بالسطحية، ثم بالغفلة، ثم بالإنحراف. نسأل الله السلامة والعافية، عافية المجاهدين في سبيله.

بديهية من البدائه التي تُعلم من الدين بالضرورة ومع ذلك لانكاد نجد لها مدخلا في علم المسلمين، ولا في اهتمامهم وطموحهم، بديهية كون الأمر إسلاما فإيمانا فإحسانا، حديث جبريل المشهور الذي رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه حديث عجيب. عجيب أن يتوقف البيان النبوي لمراتب الإسلام والإيمان والإحسان على تشخص الملك رجلا يراه الصحابة رضي الله عنهم، يسأل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس الكريم فيعلم الناس دينهم .

ثم ينسى المسلمون دينهم فتغيب عن عامتهم الرغبة في الترقي، الرغبة في المسارعة إلى الخيرات، الرغبة في المسابقة. ومع ذلك نقرأ في كتاب الله عز وجل : "سابقوا" ونقرأ ذكر السابقين وفوزهم، وذكر المقربين وميزتهم عند الله عز وجل في مقعد الصدق.

النداء والاستجابة

في الفصل الأول من هذا الباب، في حديثنا عن المفاهيم الأساسية للمنهاج، كتبنا بحمد الله فقرة تحت هذا العنوان الذي نكرره. لا نمل من التوكيد على أن الإسلام مصدر فعل "أسلم"، فالإسلام فعل من العبد، علاقة بينه وبين ربه، استجابة لنداء، حركة مستمرة. ويزداد إقبال العبد على ربه فيتميز فعله، وتزداد علاقته بربه متانة، وتكتسي حياته كلها معاني الاستجابة لداعي الله، وتنضبط حركته بأمر الله سبحانه لمولاه فيحسن فعله، وتكون كل علاقة له بالكون فرعا عن علاقته بربه، وتكتمل استجابته له فإذا هو حي القلب، ويكون التقرب إلى الله عز وجل دافعه الدائم، فإذا هو على معراج الإحسان .

يتفاوت عباد الله من فرد لفرد في الاستعداد للترقي وفي خصال القلب والعقل، فيتفاوت سلوكهم. أما حزب الله المخاطب بالقرآن في قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا" افعلوا ولا تفعلوا فالمفروض أنه جماعة يتمثل فيها الإيمان الذي هو مناط التكليف بحمل الأمانة الجماعية. فلا ينتظر من جماعة "مؤهلها" لا يتجاوز مرتبة الإسلام أن تقدر على حمل تلك الأمانة. وفي طريق الصعود على معراج الإيمان والإحسان صعوبات، ليس ذلك طريق سهلا. لا ولا يخاطب به إلا كل شديد شجاع سامي الهمة، وكل جماعة شديدة الشكيمة ماضية العزم .

ذكر الله سبحانه وتعالى الإنسان في سورة البلد المكية، وذكر تعبه في الدنيا مادام بعيدا عن ربه، وذكر نعمه عليه وما أودعه من طاقات، وما بعث إليه من رسل يهدونه، وما فطره عليه من استعداد. ثم خاطبه مخبرا محرضا: "فلا اقتحم العقبة " لا هنا للنفي والاستنكار، فيكون المعنى: مع كل تلك النعم، ومع الهداية التي تخيره بين نجدي السعادة والشقاء لم يقتحم العقبة المؤدية لسعادته. أو تكون لا للعرض والتحضيض فيكون المعنى: هلا اقتحم العقبة ؟

وبكلا المعنين فهو نداء مؤكد من الله عز وجل للإنسان أن يسلك إلى ربه السبيل. إلى ماذا يشير لفظ النداء ؟ ...ماذا تحمل العبارة "اقتحم العقبة " من مواصفات في "الذات" وفي "الموضوع " الذي هو الطريق؟ قال الراغب الإصفهاني رحمه الله في كتاب "مفردات ألفاظ القرآن" : "الإقتحام توسط شدة مخيفة" وقال : "العقبة طريق وعر في الجبل"

فها هي الألفاظ تعطينا دلالة على أن الاقتحام دخول شجاع في شدائد، على أنه منابذة للخوف، بل هجوم على مايخيف الجبناء، وعلى أن الطريق صاعدة لكن في وعورة. بعبارة أخرى فإن العبارة تصور لنا الخصال النفسية القلبية العقلية عند المدعوين للاقتحام كما تصور طبيعة المسلك الموضوعية. وهي قبل كل شيء دعوة صادرة من اللّه عز وجل، فالإستجابة لا تتخذ معناها من خصال المقتحم ولا من وعورة المسلك، لكن من كونها تلبية لنداء الحق.

فك رقبة

ذاك ما تعطيه الألفاظ، وهو جدير بكل اعتبار لأن القرآن الكريم أنزل بلسان عربي مبين. أما ما يعطيه النص من معاني الاقتحام ومعاني العقبة فهو في سياق الآيات: قال الله عز وجل: {لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا. أيحسب أن لم يره أحد. ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين. فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولئك أصحاب الميمينة، والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار موصدة}.

نجد أن النجدين الذين هدى اللّه تعالى إليهما الانسان عقبتان : إحداهما تؤديه بعد الكدح والكبد والتعب في دنياه إلى الشقاء الابدي في الدار الآخرة. والأخرى، وهي التي عظم اللّه شأنها وشوق إلى معرفتها في قوله : {وما أدراك ما العقبة}، هي التي يقتحمها المومن اقتحاما، فينال بعمله الصالح ذاك سعادة الدارين.

نداء خالد من اللّه عز وجل للإنسان، والإنسان مخير ذو إرادة. حر في أن يسارع لرضى ربه ويتجشم في سبيله المشاق أو يختار النجد الآخر. فأية حرية تفتح له الطريق ؟ وأي رق يعوقه عن الإقتحام ؟ ما هي العقبة ؟ وما قوائمها ؟ أخبرنا اللّه العليم الحكيم بثلاثة أبعاد هي مجاري العقبة وآفاتها :

1 ـ الرق الذي يستعبد الإنسان فإذا هو رهين بإرادة غير إرادته.

2 ـ العوز الذي يقعد بالمسكين واليتيم، تمنعهم المسغبة والاهتمام بالقوت عن كل خير.

3 ـ الانفراد عن جماعة المومنين الذين يتأتى السفر والاقتحام في كنفهم.

للفقيه الذي يبحث عن الأحكام العينية الجزئية أن يفسر فك الرقبة وإطعام المسكين واليتيم والكينونة مع الذين آمنوا في سياق تفصيل الأحكام الفقهية. لكن أي شيء يمنعنا أن نفهم عن اللّه عز وجل ما وراء الأحكام التفصيلية، ما يجمع تلك الاحكام وما يربطها وما يكون منها معرفة شمولية للانسان وسلوكه عبر العوائق والحواجز التي تعترض صعوده في معارج الإيمان ؟ فك الرقبة تحرير الإنسان من العبودية لغير اللّه عز وجل، إطعام اليتيم والمسكين، تحرير لطاقاته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء من إطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والإنفراد، وإدماج له في الجماعة ليتحزب لله عز وجل. ثلاث مجالات: المجال النفسي، والمجال الإقتصادي، والمجال السياسي. ليس ما نحن بصدده تأويلا لكتاب اللّه عز وجل، فلا نقاش في أن فك الرقبة المومنة في الكفارات وغيرها قربة، والصدقة على اليتيم والمسكين عمل صالح، وصحبة المومنين ومشاركتهم في الحق والصبر انضمام للجماعة مأمور به.

الأحكام التفصيلية باقية على وجهها، أما الفقه الأوسع والتدبر المنهاجي فيبسط أمامنا الفهم الشمولي لأهمية التحريض الإلاهي على الإقتحام، ولخطورة العقبة التي بينتها الآيات الكريمة. تحريض ملح وخطورة بالغة بالنسبة للإنسان ومصيره لا يتناسبان مع مجرد تحرير رقبة وإطعام جائع وانضمام مومن، ولا ينتهيان فيها، ولا يتحقق الاقتحام بها مادامت أفعالا فردية متناثرة، مادامت لم تدخل في نظام محكم يتحرر فيه الإنسان وتتحرر فيه الأمة من كل عبودية لغيراللّه، من العبودية للناس، ومن العجز أمام الطبيعة، ومن الانفراد وغياب الجماعة. وما هو إلا نظام الإسلام.

للفقيه أن يدرج فك الرقاب في باب الكفارات، ويدرج إطعام اليتيم والمسكين في باب الصدقات، ويدرج انظمام المومن للجماعة في باب الوعظ والرقائق. أما من يتخذ القرآن إماما ليبصر المنهاج الكلي فلا يسعه ما يسع الفقيه، لايسعه أن يقف عند ذلك التصنيف. وإلا ضاعت من أمامه معاني النداء والاستجابة والعقبة والاقتحام. ومع هذا فلا بد من الوقوف وقفة مع الرق في الإسلام، وفك الرقاب، رقاب المملوكين العبيد، ورقاب المظلومين، خاصة أكثرهم مظلومية : المرأة.

هذه نقطة يثيرها أعداء الإسلام في وجوهنا، فينبري أهل العلم للرد على تهمهم وتفنيدها بما يشبه الاعتراف بأن الرِّق في الإسلام إنما كان مرحلة وأن المرأة كانت في الجاهلية أسوأ حالا، وأن المرأة المعاصرة لا تزال لم تنل بعض ما أوتيته المرأة في الإسلام. وفي كل ذلك مايشبه التبرير لما جنته أيدي الناس على الإسلام بسوء استعمال قانون الإسلام. وفي كل ذلك ما يوشك أن يضعنا في فك الفلسفة التاريخية، وقوانين التطور التاريخي المادية، ونسبية أحكام الإسلام وتعاليمه، وتاريخيتهما. ولئن كانت لبعض علماء المسلمين دهشات أمام تألق الفكر المادي وحضارته حتى كان بعضهم، عفا اللّه عنهم، يؤول الغيب الذي أمرنا أن نومن به تأويلاً مادّياً، فإننا اليوم والحمد للّه آن أن نرفع رؤوسنا اعتزازاً بخلود الرسالة وإطلاق أحكامها. فإذا اصطنعنا لغة يفهمها العقل العام فإن مضمون الرسالة لا مساومة فيه.

إن أيدي الناس طوال هذه القرون من تاريخ الإسلام جنت على الإسلام جنايات عظمى ليس أقلها جنايتهم على العبيد والمرأة. آللّه أمر أن يكون بين ظهراني المسلمين أسواق للنخاسة، أم أن المترفين في المجتمعات الإسلامية استغلوا وجود أحكام شرعية فوجهوها واستغلوها ليتأتى لهم تزويد القصور بحسان الجواري وبارعات المغنيات وتزويد المزارع باليد العاملة المجانية، وتزويد المدينة والبيت بالخدم والحشم ؟ آللّه أمر أن تُقهر المرأة وتحرم من التعليم، وتمنع من المساهمة من مواقعها الشرعية في السلم والحرب والإنتاج كما كانت تفعل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أم أن الرجل طغى على حقوقها فاتخذها بضاعة ساكنة ؟

إن نظام الإسلام خالد، وليخسأ من في قلوبهم مرض، الذين يُخسرون الميزان !

من أنظمة الإسلام الخالدة نظام أسرى الحرب. العبد والأمة، الفتى والفتاة، تعابير قرآنية تُعرف الأسير والأسيرة تارة باسم العبودية المذلة وتارة باسم الفتوة التي ترفع من شأنهما. وفي الحديث النبوي سمي الفتى والفتاة من الأسرى في أيدينا إخوانا وخولا، وأمرنا الشرع بأن نطعمهم مما نطعم ونكسوهم مما نكتسي ونرفق بهم. عبدٌ وأمةٌ أذلهما كُفرهما وحربهما للمسلمين، ثم يدخلان تحت كنف أسرة ليكتشف فيها رفق الإسلام وإحسان المسلمين، فتستيقظ فيهما الفتوة والشهامة، فيرجى عندئذ أن تكون معاملتنا الأخوية لهما مدعاة أن يدخلا في الأخوة الدينية، وعندئذ فقد أصبحا أكفاء ليحررا فيرجعا إلى أهليهما دعاة للاسلام شاهدين على ما عاشاه من أخوة الإسلام. ومن أجل هذه الوظيفة الدعوية، من أجل نشر الإسلام في ربوع الأرض كان الأسر وكانت التربية وكان التعليم ويكون التحرير. ما ذكرت الرقاب في كتاب ولا سنة إلا في سياق التحرير. تحرير الرقبة المومنة عملية دعوية يحبها اللّه ويثيب عليها. ولم يتركها للتطوع، بل ربطها بالكفارات لتكون الكفارات باباً للحرية مفتوحا على الدوام. ولا يجزئ تحرير الرقبة إلا إذا كانت مومنة. فحين كان المسلمون يمارسون دينهم على أنه دين هداية كانت العناية بتعليم الفتى والفتاة وتحبيب الإسلام إليهما هدفا حاضرا ملازما. حتى إذا تحولت الأحوال وأصبح اتجاه من يفهمون أن الإسلام دين جباية استحال الفتيان والفتيات إلى رقيق، وحميت أسواق النخاسة. ولا إنصاف عند من يُحمّل الإسلام أخطاء بنيه التاريخية.

أية حرية

نرجع بحول اللّه إلى السياق المنهاجي. إننا في عصر نشيده الذي يصم الأسماع هو نشيد الحرية. فلا بد أن نقف لنتسائل عن نوع الحرية التي نطلبها لرقابنا المملوكة فُرادى وأمّة. حرية اليمين اللبرالي أم حرية اليسار؟ الحرية السياسية الرأسمالية أم الحرية الاقتصادية في ظل النظام الاشتراكي؟ التحرر ممن؟ التحرر من ماذا؟ التحرر إلى ماذا؟

إن الحرية التي تُرفع شعاراً مطلقاً كثيرا ما تخفي نيات الاستعباد. لا بد للمنهاج أن يحدد الشروط الإنسانية والمادية، الاجتماعية والاقتصادية، السياسية والتكنلوجية، التي تمكننا من التحرر، تمكننا من اكتساب حرية تتناسب مع النداء والاستجابة الإيمانية، تحقق أهداف الشرع في الدنيا عزةً للأمة كما تحقق غاية المومن في الآخرة : السعادة الأبدية عند اللّه عز وجل.

بعد أن ذكر اللّه عز وجل في سورة البلد الثلاثة الشروط التي يقتضي الوفاء بها اقتحام العقبة قال : {أولئك أصحاب الميمنة}. ففك الرقاب وإطعام الطعام، والكينونة مع المومنين أفعال مُرضية، أعمال صالحة تؤدي إلى الحشر في أصحاب الميمنة. يعني هذا أن مجال الحرية ليس الدنيا الفانية وانتهى كل شيء. الحرية الفردية، والإنتاج والتوزيع الاقتصاديين، والتحزب السياسي مع المومنين، أفعال لا تُقصد لذاتها، ولا لهدف حضاري أرضي. إنما تكسب معناها وشرفها لما تؤدي إليه من مصير بعد الموت.

المصير

ففي امتداد الدنيا الى الآخرة تكتسب حياة المومن وأعماله معناها. مصيره بعد الموت يحدد له السلوك الذي ينبغي له في الدنيا : فإما كافر أو منافق لا يرجو اللّه ولا اليوم الآخر، فعندئذ يكون المعاش الرخي ويكون انتهاب الملذات وإرضاء الغرور الشخصي والظهور في المجتمع هي المطالب، وتكون الحرية في إحرازها هي الحرية. وإما مؤمن بالله واليوم الآخر، راج لعفو ربه منتظر كرمه، وعندئذ فإن طلب المعاش الرخي فإنما يطلبه لتكون دنياه مطية لآخرته، وإن تمتع باللذائذ والنعم فإنما يفعل في حدود الشرع، وإن كان له طموح صرفه ليسارع في الخيرات ويسابق إلى الحسنى، وإن ظهر في المجتمع فإنما يظهر بالعمل الصالح لا استكبارا في الأرض.

والمؤمن الكامل الإيمان هو ذاك الذي لا يهرب من الميدان مخافة التلوث، لا يدع العالم وصراعاته ليتفرغ للتقوى والعبادة، لا يفصل مصيره في الآخرة عن مصير أمته التاريخي. وها هنا مظهر من أهم مظاهر تفتت المجتمع الإسلامي ووهنه: الانفصال في وعي المؤمن بين مصيره الشخصي في الآخرة وبين مصير أمته في التاريخ. والربط بين المصيرين في وعي المؤمن وعمله من أهم أهداف التربية إن لم يكن أهمها. نرجو إن شاء اللّه ان نرجع الى الموضوع كثيراً.

مؤمن يتسربل بأنانيته الإيمانية ويبخل بإيمانه أن تمسه نار الفتنة، ويخشى على أذياله الطاهرة ان توسخها عفونات الجاهلية، وعلى صلاح عمله أن يفسد إن خالط المجتمع الفاسد، يهرب وينعزل في صومعة التصوف أو ركن العبادة بالمسجد، يرى أن حريته مصونة إن غاب عما فيه الناس. ذاك يفوته فك الرقبة لأنه لا يسعى في تحرير الإنسان، ويفوته الإطعام بالمعنى القوي الكامل لأنه لا يشارك في الإنتاج، ويفوته التحزب للّه عز وجل فيفوته الجهاد، وقد فضل اللّه المجاهدين على القاعدين درجات.

تجيء الأسئلة التي طرحناها في الفقرة الماضية فتصطف هنا لتأخذ معناها الإسلامي. أية حرية ؟ ما لونها ؟ ما وجهتها ؟ ما مجالها ؟

ولعلنا نزيد معنى الحرية في الإسلام توضيحا إن تأملنا العقبة من جانب العوائق والموانع خارج الإنسان وفي باطنه، بعد أن تأملناها من جانب الحوافز المصيرية والدوافع.

الشيطان والإنسان والسلطان

في طريق ابن آدم يتربص شيطان الجن الذي أبي السجود لآدم وحلف ليغوين بني آدم أجمعين إلا عباد اللّه المخلصين. خلق أقره اللّه عز وجل حين خاطب إبليس قائلا : "واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاكرهم في الأموال والأولاد وعدهم" (الآية 64 من سورة الإسراء). أعلمنا اللّه عز وجل أن الشيطان عدو لنا، وعلمنا كيف نتخذه عدوا، وكيف نستعيذ باللّه منه.

الشيطان له مأوى في داخل كياننا، له عش، له حلفاء. تخبث النفس حين لا تتزكى ولا تتطهر، فيجد الشيطان فيها ركنا ممهدا، أو تنجس بالكفر والنفاق فكلها ظلام وكلها مملكة إبليس، ويحالف الشيطان نوازع الشهوانية والغضبية العدوانية الأنانية في الإنسان، ويستغلها ليمارس أشغاله.

وهكذا يفتتن الإنسان من داخله بنفسه ونوازعها، وبالشيطان ونزغاته، يلتئم الصوتان ويتمازجان. ويفتتن الإنسان من خارجه، يفتنه الإنسان من بني جنسه، ويفتنه السلطان كما سنذكر بعد قليل إن شاء اللّه تعالى. وتفتنه الطبيعة باستعصائها على جهوده، وتلهيه معاناتها عما هو بصدده.

المجموع يكون الفتنة بمفهومها القرآني، البلاء كما جاء في بعض الآيات. الحياة الدنيا كلها ممر لفتنة الإنسان واختباره، أي لامتحانه. قال اللّه تعالى : "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" (الآية 2 من سورة الملك ).

نضع هذه النبذة القصيرة عن الفتنة بمفهومها القرآني جوابا عن السؤال الذي يطرحه العقل البشري : فيم كل هذا العناء ؟ ولماذا الخلاف في الأرض، والحرمان والجوع ؟ ولنا رجوع إن شاء اللّه تعالى، ولنتحدث عن الفتن بصيغة الجمع بالمفهوم النبوي.

بعد الشيطان فتنة الإنسان بأخيه الإنسان، صدام أنانيات، صدام عادات، صدام ذهنيات، تنافس على الرزق، خصام على المصالح.

ذلك النداء الإلهي الذي يدعوك لاقتحام العقبة قدم لك صورة كاملة عن العقبة كما قدم لك واجبك تجاه الامتناع الاجتماعي، وهو مقاومة كل مايستعبد الرقبة من تسلط مباشر أومضايقة ظالمة في الرزق، وقدم لك صورة واضحة ضمنيا عن الامتناع السياسي حين نصح لك بالانضمام للجماعة والتحزب للّه عز وجل معها لتتعاون مع المومنين على ممارسة الصبر وممارسة المرحمة. الصبر لمقاومة التسلط الخارجي والمرحمة لتكون لحمة التراحم والتآخي بين أفراد الجماعة المومنة آصرة قوة وضمان حرية لا يستطيع الفرد أن ينتزعها من السلطان.

لا حرية للإنسان إلا داخل تضامن اجتماعي يقيه طغيان الفئة المناهضة، أو طغيان الدولة.

النداء الإلاهي للاقتحام لن يصل إلى سمعك بتاتا، أو لن تسمعه بالوضوح الكافي، إن كنت غارقا في الفتنة. ثم لن تستطيع تلبيته إن كانت الفتنة جاثمة في نفسك، في حياتك اليومية، في وضعيتك الاجتماعية السياسية الاقتصادية. ووجود الفتنة المتعددة الوجوه، فتنة الشيطان والإنسان والسلطان عامل إحياء، فلولا الفتنة لكانت الحياة الدنيا ركودا، ولما كان أي معنى ولا أية ضرورة للجهاد، ولا للعمل أي حق في أن يوصف بالصلاح، ولا للجزاء في الدار الآخرة مكان. لو كانت الدنيا جنة، والناس ملائكة، لم يكن معنى ولا وجود ولا داع للحرية واقتحام العقبة إليها، إذ لا وجود عندئد لعقبة أساسا.

الاستسلامٍ

تقطن أسباب الإستسلام والرقود الخامل والتنازل عن الحرية في الجذور النفسية العقلية الاجتماعية السياسية التالية :

1 ـ الانانيات : كل فرد شغلته نفسه وشهواته، أو أمواله، أو جاهه الاجتماعي، أو وظيفته يريد الرقي فيها، إلى ما شابه.

2 ـ الذهنيات : وعي للواقع مجانب، خرافية، جبرية، جهل، تضليل إديولوجي.

3 ـ العادات : التصاق بالمألوف الساكن، بالترف، رضى بالواقع، خنوع موروث.

مادامت هذه المعاني الفتنوية جاثمة في النفوس، قابعة في العقول، مفروضة في الواقع، فما للانسان إلا حرية الجبناء، ما له إلا القناعة بالأمن المهين، أمن الرعية التي لا كلمة لها ولا شأن ولا رأي. مع الذهنيات البليدة، والأنانيات الانفرادية، والعادات المكدسة ما للانسان إلا أن يرضى بوجود الجماد والحيوان الداجن، يتصرف فيه غيره، تفكر له الدولة، ترعاه، تدلله إن كان منها وإليها وتغنيه، أو تهدي اليه وعودا له أناشيد وطنية. بضاعة في السوق لا إنسان حر فاعل.

نجد عندالماركسيين في مكان مرموق من الإديولوجية مفهوم "الاستيلاب" "aliénation" في هذا المفهوم تتلخص فلسفة ماركس الإنسانية. الإنسان عنده مسلوب من أعز شيء عنده، مسلوب من دنياه بأسرها، عندما يفصله الرأسمالي من فائض قيمة عمله. لانحب أن ندخل في تفاصيل القاعدة "العلمية" العتيدة قاعدة "فائض القيمة" عماد الفلسفة "العلمية"، ولا نريد أن نقول عن " الاستيلاب" إلا أن سرقة نتاج عمل العامل جريمة عند كل عاقل. فإذا ما اعتمدنا هذا الشعور الإنساني الشريف، شعور الغضب على المجرمين، لكي نؤسس دولة "الحرية الاقتصادية"، ولكي نطبق الاختراع الستاليني "العبقري"، اختراع الدولة الشمولية، فإنما بعنا الإنسان بضاعة القردة وسلبناه كل حرياته.

هلك أمس ـ الخميس 20 رجب 1405 ـ ستاليني ممتاز اسمه " أنوار خوجا" هو رئيس الحزب الشيوعي الألباني. كانت ألبانيا بلدا مسلما، فلما غزاها الطليان في الحرب العالمية الثانية قام المظلم خوجا بتنظيم المقاومة الشيوعية. فمنذ انتصر، منذ أربعين عاما، حكم ذلك البلد الإسلامي بأسلوب الإرهاب الدائم والتصفيات الستالينية المشهورة، وحول المساجد والكنائس متاحف، وجند الأطفال للتجسس على أمهاتهم وآبائهم إن صلى بعضهم أو ملك مصحفا. انتهى به الأمر إلى أن ميز دستوره بميزة عالمية، فهو الدستور الوحيد في العالم الذي ينص على مذهب الدولة الإلحاد.

إننا إذ نذكر العقبة والنداء، ونذكر ضرورة محاربة الاستسلام وضرورة التحزب لله عز وجل والجهاد في سبيله، وإذ نلح على الأهمية الإستراتيجية للمنهاج لوضوح الرؤية وفعالية الإجراء، فإنما نفعل لأنه قضية حياة أو موت. فإما حياة بالإسلام المجاهد، وإلا تكن المبادرة، لا قدر الله، للمظلمين من أمثال فقيد الماركسية.

صوى الإسلام وشعب الايمان

عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قال : "إن للاسلام صُوى ومنارا كمنار الطريق. منها أن تومن باللّه ولا تشرك به شيئا، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم. فمن ترك من ذلك شيئا فقد ترك سهما من الإسلام، ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره" : رواه بن سلام والحاكم. الصوى جمع صوة على وزن كُوّة هي علامات من الأحجار توضع على الطريق لتعرف بها. وروى مسلم، والبخاري ببعضه، أن رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) قال : "الإيمان بضع وسبعون ـ عند البخاري : بضع وستون ـ شعبة، أعلاها قول لا إله الا اللّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبه من "الإيمان".

طريق مُعْلمة هي إذن العقبة التي نودي الإنسان لاقتحامها، عليها معالم واضحة، بالسير حذوها يعرف السالك الاتجاه الصحيح. فمن غابت عن أفقه معلمة منها، من ضل عنها أو تنكبها عمدا، فقد ولى الإسلام ظهره. ومثل رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) الإيمان بنهر جار له فروع، فالشعبة والشعب فرع الوادي المتشعب عنه. فإذا انصبت في قلب المؤمن من كل الشعب رحمة الإيمان، واستغنى عقله من الحكمة الجارية فيها، واتبع عملية مجاري الصواب بالتزام مآخذها ومآتيها فقد تم إيمانه.

ها هو الانسان اقتلع جذور ذاته من أرض الخمول، استمع النداء فهب للاستجابة إما مماشاة لرفقة صالحة، وإما يقظة وتوبة بعد حياة لهو وفراغ، وإما شوقا متجددا يحمله على الاستماتة في إرادة وجه اللّه عز وجل والسعي إليه. والتقرب والعجلة. نحن هنا في أرض الحوافز حيث تولد الحوافز وتشب وتقوى. أعلى شعب الإيمان قول لا اله إلا اللّه، وأول صوة على طريق الإسلام الإيمان باللّه لا نشرك به شيئا. العبد أمام ربه بلا واسطة، النداء والاستجابة في الإديولوجيات يضعان المرشح للحزبية وجها لوجه مع عدو طبقي، أو مع محتل مستعمر، أو مع تاريخ مجيد، أو مع مستقبل ويوتوبيا. فهل معنى توجه المسلم أول خطواته الى اللّه عز وجل أنه في وضع فرار من الواقع ؟ أين القاعدة المادية، أين الكون، أين الزمان والمكان، أين ضرورات الصراع وضرورة التاريخ ؟ لا اله الا اللّه تعني التحرر من كل عبودية غير العبودية للّه الواحد القهار. فهل ينتج عن وضع العبد هذا وتوجهه أن ينحرف عن الكون المخلوق ومن فيه ليناجي ربه في فراغ ساكن أمين ؟ كلا، فإن على العبد بعد الشهادة أن يشمر عن ساعد الجد ويقتحم العقبة إلى اللّه تعالى. إلا يفعل فإنما هي شهادة باللسان، كلمة لا مدلول لها في عالم الأعمال والإنجاز.

إن توتر القلب شوقا إلى اللّه عز وجل يبقى أماني جميلة عقيمة إن لم يصحبه توتر العقل لمعرفة الشريعة، الطريق، المنهاج، الكتاب والسنة (كلها مترادفات)، ولم يصحبه توتر الإرادة على مدى الإنجاز وقطع المراحل. بين مرمى الطرف ومحط الأشواق وبين مواقع الأقدام في الواقع الآني مسافات شواسع. بين الفرد المؤمن وبين مطمحه المصيري في الآخرة أن يقتحم العقبة، فهو جهاد بين الجماعة المتحزبة للّه عز وجل وبين أهدافها المصيرية في التاريخ أن يقتحم كل فردمنها العقبة جنبا إلى جنب مع إخوته المقتحمين ليكون جهد المجموع جهادا متضافرا.

العقبة المراد اقتحامها في حق الفرد والجماعة تتكون من واقع مرج، متحرك، معاد لإرادة السالك، ملىء بالأشواك والأعداء. فإن لم يكن الفرد تربى على الجندية العنيدة، إن يكن مقاتلا يستهين بالموت فما دونها، وإن لم تكن الجماعة من التنظيم وصواب الرؤية وصلاح القيادة فلن يكون جهاد، بل تصالح مع الواقع في مرحلة من المراحل، في منعطف تاريخي ما، عند كبوة أخلاقية، أو عثرة تكتيكية، أو سوء تقدير أعقبه سوء تدبير.

الخصال العشر

كنت جمعت بحمد اللّه تعالى وحسن عونه، في كتاب "المنهاج النبوي" شعب الإيمان سبعا وسبعين شعبة، تأسيت في ذلك بصنيع علماء الحديث الذين ألفوا في الموضوع، أشهرهم الإمامان البيهقي والحليمي. وكنت قسمت هذه الشعب عشر فئات، في كل فئة شعب تتناسب فيما بينها، وتكون مجالا تربويا سلوكيا. فكأن الخصال العشر مراحل على الطريق، ومراحل صعود في العقبة. ألخص هنا في بضع صفحات ما بسطته هناك.

تكون شُعب الإيمان مضمون الإسلام ومحتوى الإيمان. ويكون ترتيبها معراجا إحسانيا يرتفع عليه المومن وجماعة المومنين من نقطة البداية في الحياة، في حضن الوالدين، إلى مقام الشهادة في سبيل اللّه في ساحة الجهاد.

كنا نورد المنهاج في الصفحات الماضية مبرزين معناه وغايته، النداء من اللّه عز وجل والاستجابة، الرحمة القلبية وسماع العبد للهداية ثم حكمة العقل الضرورية للسلوك، تلك هي وجهة المنهاج وتلك آلاته. وهنا نفصل كنه العقبة إن شاء اللّه تعالى. نفصل ما أجملته آيات فك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسبغة، والكينونة مع المومنين المتواصين بالصبر المتواصين بالمرحمة. السنة النبوية وبيانها للصوى والشعب شرح لكتاب اللّه تعالى. وما أتينا بشيء في ترتيبنا لشعب الإيمان إلا من قال الله وقال رسول الله. نرجو أن يوفقنا الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه. وسأضع إن شاء اللّه تحت كل خصلة ما يتفرع منها من شعب، وأرقم الشعب.

أ) الخصلة الأولى: الصحبة والجماعة: هنا بروز العبد إلى الدنيا في حضن والديه، ثم رعاية وجوده الجسمي وكيانه المادي في الأسرة والمجتمع إلى أن ينضج وعيه بوجوده، ووعيه بانتمائه لأمة ذات رسالة، وتعلقه القلبي بصاحب الرسالة (صلى الله عليه وسلم)، ثم انخراطه في محضن إيماني، محضن الجماعة المجاهدة. وهكذا يتخذ وجهته ليتكون في مدرسة الجهاد.

شعب الخصلة:

1) محبة اللّه ورسوله

2) التحاب في اللّه عز وجل

3) صحبة المؤمنين وإكرامهم

4) التأسي برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) في خلقه.

5) التأسي به (صلى الله عليه وسلم) في بيته

6) الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق

7) الزواج بآدابه الإسلامية وحقوقه

8) قوامة الرجل وحافظية المرأة

9) إكرام الجار والضيف

10) رعاية حقوق المسلمين والإصلاح بين الناس

11) البر وحسن الخلق

ب) الخصلة الثانية : الذكر: في الخصلة الأولى أخذنا المسلم في منبته المسلم. فإن نبت في مجتمع غير مسلم فإلى الصحبة والمحضن الإسلامي يرجع لا بد. وفي حضن الصحبة الصالحة يبدأ توجه المسلم إلى ربه عز وجل. فتجمع خصلة الذكر أنواع العبادات المشروعة التي توقظ روحانية العبد، ويعم عبيرها الجو الذي يتنفسه جند اللّه ليصلح المحل، وهو القلب والعقل، للتخلق بأخلاق الجندية، وللسلوك سلوكا جهاديا.

شعب الخصلة :

12) قول لا إله الا اللّه.

13) الصلاة المفروضة

14) النوافل

15) تلاوة القرآن

16) الذكر وأثره

17) مجالس الإيمان

18) التأسي بأذكار النبي (صلى الله عليه وسلم)

19) الدعاء بآدابه

20) التأسي بدعواته (صلى الله عليه وسلم)

21) الصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)

22) التوبة والإستغفار

23) الخوف والرجاء

24) ذكر الموت.

ج) الخصلة الثالثة : الصدق: عتبة للتصفية، وامتحان منه يدخل لميادين التدريب والاستعداد أصلح العناصر. الأمة عشعش فيها النفاق، فعند إعادة بناء المجتمع الإسلامي لا نكتفي بالإستماع إلى من يلهج بذكر اللّه ويحافظ رأي العين على الصلاة. الرحمة بما هي عطاء من اللّه عز وجل للعبد وعلاقة بينه وبينه لا مدخل لنا فيها. لكن نطلب من المرشح للجندية ونراقب في فئات المجتمع الإسلامي، في نشأته المتجددة، سيما الصدق العملية، وبراهين الصدق المعبر عنها بالإنجاز لا بمجرد الكلام. فإنما الايمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

شعب الخصلة :

25) الإيمان باللّه تعالى وبغيبه

26) الإيمان باليوم الآخر

27) النية والإخلاص

28) الصدق

29) النصيحة

30) الأمانة والوفاء بالعهد

31) سلامة القلب

32) الهجرة

33) النصرة

34) الشجاعة

35) تصديق الرؤيا الصالحة وتعبيرها

د) الخصلة الرابعة : البذل: في هذه المرحلة من تربية المؤمن وبناء المجتمع المتجدد، نترقب ذوبان الأنانيات. البذل عطاء وعدل وقسمة وإحسان. لا أقصد بذكر المراحل الترتيب الزمني. إنما هي اعتبارات لما نعهده من تقدم لقاء داع إلى اللّه عز وجل على التوبة والعبادة (الخصلة الاولى تليها الثانية)، وسبق التطهر الروحي على نبذ النفاق (الخصلتان الثانية والثالثة)، وتأخر التخلق ونبذ الشح والسماح بما في اليد على تغلغل الإيمان والصدق فيه. وهكذا.

شعب الخصلة :

36) الزكاة والصدقة

37) الكرم والنفقة في سبيل اللّه

38) إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين

39) إطعام الطعام

40) قسمة المال

هـ) الخصلة الخامسة: العلم : لابد من علم سابق، هو ذاك العلم المنصب في وعي المسلم بالمنبت أو بالتوبة من أسرته ورفقته وصحبته. لكن التعليم المنهاجي الذي يكون واسطة عقد المنهاج والشرط الأساسي لنجاح العمل هو العلم الذي يعيد في وعي المؤمن المعايير إلى وضعها الإسلامي، ويعيد في ثقافة الأمة كل معرفة كونية إلى مفصلها ومتصلها بعلم الحق، علم الوحي.

شعب الخصلة

41) طلب العلم وبذله

42) التعليم والتعلم بآدابهما الإسلامية

43) تعلم القرآن وتعليمه

44) الحديث الشريف واتباع السنة

45) التعليم بالخطابة

46) التعليم بالمواعظ والقصص.

و) الخصلة السادسة : العمل :"العلم إمام العمل" هذا حديث شريف. إن القدرة على إنجاز المهمات لا يعتد به إسلاميا إن لم يكن العمل صالح الأهداف صالح الوسائل بميزان الشرع. لهذا فإن سياج الشريعة، وصوى الطريق، ضمان لحرية المؤمن وحرية الأمة في حركتها. من كانت اللذات والمنفعة المادية هدفا له في الدنيا فسيعتبر الشريعة التي تحوط عمل المؤمن من مولده إلى مماته في كل صغيرة وكبيرة قيدا كليا شموليا. أما من يعرف أن بعد الدنيا دار الجزاء وأن الإنسان خلق للسعادة الأبدية في الجنة فحريته يحدها في العمل بما يحقق غايته، بما يرضي ربه،. وليس إلا اتباع الشريعة في تفاصيل أحكامها من سبيل.

شعب الخصلة :

47) التكسب والإحتراف

48) طلب الحلال

49) العدل

50) إماطة الأذى عن الطريق

51) التواصي بالحق والصبر

52) تأييد اللّه عباده الصالحين بالغيب

53) البركة في أرزاقهم

ز) الخصلة السابعة : السمت الحسن : بالتحلي القلبي والعقلي بقيم الإيمان وأخلاق الإحسان يكتسب المجتمع الإسلامي المناعة ضد العدوى الحضارية المادية فيتقمص اشكالا حضارية تظهر على السطح ما في الباطن.

شعب الخصلة :

54) الطهارة والنظافة

55) آداب اللباس

56) السمت الحسن والبشر

57) الحياء

58) آداب المعاشرة

59) الجمعة والعيدان

60) عمارة المساجد

ح) الخصلة الثامنة : التؤدة : هي الخصلة الخلقية السياسية الاستراتيجية التي تفصل بين العمل المرتجل الإنفعالي وبين العمل المخطط المحكم : خصلة امتلاك النفس، والصبر على طول الطريق ومشقة العمل، والتريث حتى تنضج الثمار.

شعب الخصلة :

61) الصوم

62) القيام في حدود اللّه عز وجل

63) حقن الدماء والعفو عن المسلمين

64) حفظ اللّسان والأسرار

65) الصمت والتفكر

66) الصبر وتحمل الأذى

67) الرفق والأناة والحلم ورحمة الخلق

68) التواضع

طـ) الخصلة التاسعة : الاقتصاد : الاقتصاد تجديد القصد، ونقد المراحل، والاستفادة من الأخطاء وتوفيق الأعمال الجزئية وتنسيقها. ثم إن الإقتصاد في اللغة والشرع توسط لا يقبل المغالات ولا "حرق المراحل". ثم الاقتصاد بمعنى الإنتاج والتوزيع وتنظيم الملكية وما تحمل الكلمة من مدلولات عصرية.

شعب الخصلة :

69) حفظ المال

70) الزهد والتقلل

71) الخوف من غرور الدنيا

ي) الخصلة العاشرة : الجهاد : المنهاج فهم وعلم وطريق يؤدي بالمؤمن إلى نيل الدرجات العلى عند اللّه عز وجل بالجهاد والاستشهاد، بعد جهاد النفس وجهاد وسط الأمة. والمنهاج النبوي طريق حزب اللّه لإقامة دولة الإسلام على طريق الجهاد، وبالجهاد.

شعب الخصلة :

72) الحج والعمرة

73) الجهاد في سبيل اللّه عز وجل

74) التأسي برسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) وبأصحابه في الجهاد

75) الخلافة والإمارة

76) المبايعة والطاعة

77) الدعوة الدائمة إلى اللّه عز وجل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر: الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني 2005