دعوة وتربية

  A+ A- A

تجديد التوبة

بقلم: رشيد كهوس

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وأعطه الوسيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود الذي وعدته,وعلى آله المصطفين الأخيار وعلى أصحابه النجوم الأزهار وعلى كل من اتبعهم من الأبرار.

قال الله عز وجل: وتوبوا إلى الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون [1] وقال عز من قائل: يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار [2]، في صحيح مسلم يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "توبوا إلى ربكم، فوالله إني أتوب إلى ربي في كل يوم مائة مرة" ، ومن هنا فتجديد التوبة واجبة على كل مسلم، بدليل الكتاب والسنة، وآيات وأحاديث في الموضوع كثيرة.

قال سفيان بن عيينة "التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم وكانت توبة بني إسرائيل القتل وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيديه" [3]. أما "التوبة فأصلها الأوبة من مكروه إلى محبوب فتوبة العبد إلى ربه أوبته مما يكرهه الله منه بالندم عليه والإقلاع عنه والعزم على ترك العود فيه وتوبة الرب على عبده عوده عليه بالعفو له عن جرمه والصفح له عن عقوبة ذنبه مغفرة له منه وتفضلا عليه" [4].

فهل من ندم ومن توبة؟! فهل من عزمة نستعيد فيها ما مضى قبل فوات الأوان، وقبل أن يحين وداع الدنيا، فيقول الإنسان وهو في القبر: رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها [5]، "ومن علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات" [6].

وللتوبة شروط: الندم على ما فات ,والإقلاع عما كنا فيه من العصيان، وترك الإصرار على المعاصي، ورد المظالم إلى أصحابها. ولها آداب: الاعتراف مع الذل والافتقار والانكسار، والإكثار من الاستغفار وفي الحديث: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا" [7] وقال سبحانه وتعالى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون [8]وقوله تعالى: ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين [9]، ففي هذه الآيات وذلك الحديث نجد أن الاستغفار يسد باب العذاب ويفتح أبواب الرزق ويزيد قوة في عبادة الله وطاعته، وهو مفتاح لكل خير ومغلاق لكل شر. ومن آدابها كذلك الإكثار من الحسنات لمحو ما ارتكبناه من ذنوب، وما اقترفناه من آثام، وما جنيناه من معاصي.. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان .

عن أبي هريرة "عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل ثم قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب أعمل ما شئت فقد غفرت لك" [10].

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر وتاب صقلت فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكر الله كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" [11].

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم" [12] هذا إسناد حسن.

اللهم ألهمنا طاعتك، وجنبنا معصيتك، ويسر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء رضوانك، واحللنا بحبوحة جنانك، واقشع عن بصائرنا سحاب الارتياب واكشف عن قلوبنا أغشية المرية والحجاب، وأزهق الباطل عن ضمائرنا، وأثبت الحق في سرائرنا فإنا الشكوك والظنون لواقح الفتن، ومكرة لصفو المنائح والمنن.

اللهم احملنا في سفن نجاتك، ومتعنا بلذيذ مناجاتك، وأوردنا حياض حبك، وأذقنا حلاوة ودك وقربك، واجعل جهادنا فيك، وهمنا في طاعتك، وأخلص نياتنا في معاملتك، فإنا بك ولك، ولا وسيلة لنا إليك إلا أنت. آمين.

وصل اللهم وسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

تاريخ النشر: الخميس 15 دجنبر/كانون الأول 2011

[1] سورة النور، الآية 31.
[2] سورة التحريم، الآية 8.
[3] انظر تفسير القرطبي ج1/401.
[4] تفسير الطبري ج1/555.
[5] سورة المومنون، الآية 100-101.
[6] انظر: المنهج الأتم في تبويب الحكم، للإمام ابن عطاء الله السكندري، تبويب العلامة المحدث علاء الدين علي بن عبد الله المتقي الهندي، بعناية حسن السماحي سويدان. ص: 103.
[7] أورده المنذري في الترغيب والترهيب، ج: 2/308. ط: الأولى 1417/1996. دار الكتب العلمية، بيروت.
[8] سورة الأنفال، الآية 33.
[9] سورة هود، الآية52.
[10] صحيح مسلم ح2758. بابقبول التوبة وإن تكررت الذنوب والتوبة.
[11] موارد الظمآن ج1/605، ح2448، كتاب التوبة باب ما جاء في الذنوب.
[12] انظر مصباح الزجاجة ج4/246. باب ذكر التوبة.